مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: رسالة إلى د. ياسر حسان

القنبلة الموقوتة… وبيع الطرابيش

الدكتور ياسر حسان قال في واحدٍ من أحاديثه الإعلامية بعد إعلان ترشحه لرئاسة الوفد:
«جريدة الوفد قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت».

لم تمرّ العبارة عابرة، ولم تكن زلة لسان، بل جملة ثقيلة الوزن، تطرق باب ذاكرةٍ يعرف صاحبها جيدًا مفاتيحها.
وأقول للعزيز الدكتور ياسر، الذي تقدّم بأوراق ترشيحه لرئاسة الوفد، وقد كان أمينًا للصندوق، ووفديًّا لا يملك منصفٌ أن يشكك في وفديّته، وأراه قيادةً واعدةً، ربما في مرحلة قادمة، وهذا ما يحملني أن أقول له:

يا ياسر…
لديّ سؤالٌ واحد، لكنه يبحث عن إجابةٍ صادقة قبل أن يبحث عن تبرير أو تفسير لما هو مفسَّر.
السؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: كيف؟ ولماذا؟ تحوّلت جريدة الوفد من المصدر الرئيسي لتراكم ودائع الحزب، إلى قنبلةٍ موقوتة ومصدر استنزاف؟

أحسب أن الإجابة عن هذا السؤال وحده كفيلة بأن تفتح باب الحل المتغافل عنه.

والحقيقة أني أعرف هذه الجريدة كما يعرف المرء بيته الأول.
شاركت في تأسيسها حين كانت تخرج من غرفة سفرة فؤاد باشا سراج الدين في الدور الأول بقصره في جاردن سيتي،
ثم من مكتب الأستاذ عدلي المولد،
ثم من مقر الوفد في الدور الأول بفيلا أمين سامي.
أعرفها حين كانت فكرةً تمشي على قدمين، قبل أن تصبح مؤسسةً لها أبواب ومراسلون ومعاشات.

تلك الجريدة ليست قدرًا أسود، ولا عبئًا محتومًا.
جريدة الوفد قادرة، إن أُحسنت إدارتها، أن تتحوّل من عبءٍ يغرق الحزب إلى قاطرةٍ تنقذه.
قادرة، إن استلهمت المنهج الرشيد، أن تفعل ما فعله الراحل الكبير فؤاد سراج الدين،
وأن تقتدي بما صنعه الأستاذ مصطفى شردي حين جعل من الصحافة فعلًا سياسيًا نبيلًا، لا دكانًا خاسرًا لبيع الطرابيش.

ولأن الصدق في النصيحة المخلصة – لمن لا مصلحة له – يقتضي التحديد، فإن جوهر المشكلة لا يبدأ من الجريدة، بل من السقف السياسي المنخفض جدًا للحزب نفسه، وتدهور مستوى الخطاب السياسي.

انخفاض السقف السياسي للوفد انعكس تلقائيًا على الجريدة، حتى كادت تفقد ملامحها.
جريدة قاربت في الثمانينيات حاجز المليون قارئ، حين كان خطابها السياسي يعكس صورة المعارضة المصرية الموضوعية العقلانية الشجاعة، الصادقة في التعبير عن الرأي العام.

نعم…
أدرك يقينًا أن الزمن تغيّر،
وأن طبيعة القارئ تبدّلت،
وأن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت الموازين.
أعرف كل ذلك قطعًا.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى:

لماذا لم تتغيّر مؤسسة الوفد الإعلامية لتواكب هذه المتغيرات؟
ولماذا ظلّت أسيرة شكلٍ واحد في زمن النوافذ المفتوحة والقنوات التلفزيونية؟

وكأن الوفد يدفع إيجارًا شهريًا باهظًا لمحل كبير في مول خمسة نجوم… ليبيع فيه الطرابيش!

خذ مثالًا واحدًا لا أكثر:
كم دخل الوفد من منصة يوتيوب؟
مصدر دخل لم يكن موجودًا أصلًا في الثمانينيات، حين انطلقت الوفد بعدد من العاملين لا يتجاوز أصابع اليدين.
اليوم، هذا المنبر وحده، إن أُدير بجدية ومصداقية وحرفية، قادر وحده على تغطية ما يتجاوز نصف التزامات الجريدة من رواتب ومعاشات.

وهل تعلم، يا ياسر، أن أفرادًا من الصحفيين والإعلاميين المصريين بجهدهم الفردي – لا المؤسسي – يحققون من هذا المنبر وحده عوائد تتجاوز مئات الآلاف شهريًا؟
أتحدث عن أفراد، لا عن مؤسسات أو قنوات فضائية، وعن منبرٍ واحد من عشرات المنابر التي كان يمكن للوفد، بجيش العاملين فيه ومراسليه، أن يكون في مقدمتها.

فالعاملون بالوفد برواتبهم البسيطة وخبراتهم الكبيرة كنوزٌ مدفونة… في محل قرر صاحبه أن يحتكر بيع الطرابيش!

وسؤال آخر، وليس الأخير:
أين عوائد التوزيع الخارجي في الدول العربية؟
توزيعٌ كان في زمنٍ مضى أحد أعمدة دخل الوفد، قبل أن يتوارى بلا تفسير، وكأنه صفحة طُويت دون حساب.

وهل غياب هذا المصدر الهام من مصادر الدخل بالعملة الصعبة مسؤولية الجريدة، أم الحزب بمؤسساته السياسية وعلاقاته الخارجية، ومواقفه التي تحولت إلى مسخٍ وظلالٍ باهتة لا يلتفت لها أحد؟

هل يمكن أن تذكر لي من هو آخر زعيم عربي زار رئيس الوفد خلال العقدين الماضيين؟
من آخر رجل أعمال كبير وحقيقي انضم للوفد؟
ولن أسأل عن كم رجل أعمال – مثل صلاح دياب – غادر الوفد بل وأنشأ صحيفة مستقلة هي المصري اليوم.
كم شخصية عامة كبيرة ووازنة بقيمة عمرو موسى مثلًا انضمت للوفد بشكل حقيقي ووظيفي، وليس شرفيًا؟

لديّ عشرات الأسئلة الأخرى، لو أُخذت بجدية، لتحولت إلى خطة عمل حقيقية تعيد لمؤسسة الوفد الإعلامية دورها بوصفها مصدر دخل ينفق على الحزب والجريدة معًا.

شرط ذلك إدارة رشيدة، واعية، حرفية، تحترف فن صناعة الإعلام لا تجارة الطرابيش.
فصناعة الإعلام صناعة ثقيلة، تجلب الإعلان، وتدر الدخل الوفير، إذا تولّت الأمور إدارة لا تخاف من مواجهة الاستبداد والفساد، وتدرك فن المتغيرات، ولا تختبئ خلف أعذار الزمن والضغوط والحسابات وقائمة المحظورات الطويلة.
إدارة لا ترتعد أمام العصي، ولا يسيل لعابها على الجزرة.

والأهم من كل الحسابات:
أن تستعيد الوفد دورها صوتًا فكريًا وسياسيًا منفتحًا، نافذةً واسعة، ورئةً نظيفة للمصريين جميعًا.
منبرًا لكل صوتٍ حر، لا نشرةً داخلية لولاءات حزبية ضيقة، ولا مرآةً لحسابات شخصية خائبة.

فالوفد لم ينجح فقط بحسن إدارة فؤاد سراج الدين، ولا بحرفية مصطفى شردي النادرة، بل بنجاح تحالفٍ من العقول والأفكار والكتّاب الكبار الذين أطّلوا على الشارع المصري من خلاله.

رحم الله إحسان عبد القدوس الذي أمتعتنا سنوات بكتابة مقاله،
والدكتور محمد عصفور،
والزميل الراحل مجدي مهنا،
وعبد الغفار عزيز، وعبد العظيم رمضان، وعبد الله أحمد عبد الله (الشهير بميكي موس)،
والأستاذ الراحل الحبيب محمود السنجري،
والراحل جلال عبد الفتاح، وفؤاد فواز،
ورسّام الكاريكاتير عصام حنفي،
وحنان البدري، والطرابيلي، ويحيى غانم، ودكتور وجدي زين الدين،
وأبواب وصفحات لا تغيب: العصفورة وكان وأخواتها وغيرها من الأقلام التي صنعت من الوفد صوتًا حقيقيًا معبرًا عن الشارع المصري.

الذي لم يبقَ في الوفد الحزب صوتًا يعبّر بصدق وإخلاص عنه سوى صوت محمد عبد العليم داود، الذي حاول إسقاطه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أحد المرشحين لرئاسة حزب الوفد.

تلك التجربة تقول لنا إن الجريدة لا تموت حين تخسر المال فقط، بل حين تفقد المعنى، والرسالة، والإحساس بالزمن.

يا ياسر…
القنبلة الموقوتة لا تُفكك بالخوف، بل بالفكرة، وبالإدارة، وبالشجاعة التي تُعيد للوفد ما كانه يومًا:
صوتًا لا يُشبه إلا نفسه.

الصورة:
تجمع بين الدكتور ياسر حسان في المنتصف، والنائب العزيز طارق عبد العزيز، رئيس لجنة إدارة انتخابات رئاسة الوفد،
والنائبة المحترمة أمل رمزي، عضو لجنة الانتخابات بالوفد.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى