
كيف انتصرت الاستراتيجية الصهيونية وسقط القرار العربي
لم يستطع العالم العربي قبل قيام “إسرائيل” وبعده، أن يدرك خطورة أبعاد الفكر الاستراتيجي الصهيوني، ومدى اندفاع وجدية قادة “إسرائيل”، في تعاطيهم مع الأنظمة العربية بخطوات واثقة دون العودة إلى الوراء، فيما بقيَ زعماء وقادة العرب، وأحزابهم على مدى عقود طويلة يتخبّطون في مواقفهم، وقراراتهم، وممارساتهم السياسية!
لم يتمكّنوا من اتخاذ قرار استراتيجي واحد، أو موقف موحد يثبتون عليه. إذ كانت خلافاتهم هي القاعدة، وتوافقهم هو الاستثناء، وفي حالات قليلة.
بين عقل “إسرائيلي” تبنّى خريطة طريق استراتيجية له، لا يحيد عنها، وبين ضمور عقل عربي، يتيه وسط التطورات والتحديات، يدور حول نفسه، خارج دائرة عالمه،
لا أمل، ولا رجاء منه، ولا إنجاز يحققه، ولا انحطاط يتجنّبه، ولا سيادة يحافظ عليها ويصونها.
لم يثبت العالم العربي منذ عام 1948 على موقف أو قرار مصيري، فمع كلّ قرار جديد، يتراجع عن الذي سبقه، وهذا ما جرى فعلاً، منذ لاءات الخرطوم عام 1967، مروراً بمعاهدة كامب دايفيد واتفاق أوسلو، ووادي عربة، وصولاً إلى مصيدة ترامب الإبراهيمية، والاتفاقيات الناجمة عنها.
تراجع عربي تلو تراجع، فيما “إسرائيل” منذ اللحظة الأولى لقيامها، حدّدت استراتيجيتها الثابتة بوضوح كامل لجهة كيفية التعامل مستقبلاً مع الدول العربية، من خلال استراتيجية “عقيدة الأطراف” التي وضعها عام 1953 دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء في “إسرائيل”، وذلك بعد خمس سنوات من إعلان دولة الاحتلال.
“إسرائيل” المطوّقة بحصار خانق، وعداء عربي واسع، رأى فيها بن غوريون أنها أمام مخاطر تهدّد استمراريتها، نظراً للتفوق العربي عليها جغرافياً، وبشرياً، إضافة إلى الإمكانات الكبيرة المتوفرة للعالم العربي.
لذا أراد بن غوريون أن تعتمد “إسرائيل” على عدة أهداف استراتيجية تحقق لها التفوق النوعي على التفوق الكمّي العربي، لا سيما في المجال التكنولوجي، والعلمي، والصناعي والاقتصادي.
كما عليها أن تستند الى دولة عظمى حليفة (الولايات المتحدة)، تأخذ بيدها، وتقيم معها علاقات استراتيجية متميّزة تعتمد عليها بغية الحفاظ على وجودها، وأمنها، ومستقبلها، وأيضاً عزم تل أبيب على امتلاك قوة نووية رادعة، حيث تمكنت من تحقيق ذلك في وقت مبكر.
استراتيجية “إسرائيل” لا تزال مستمرة في أهدافها، وأدائها، وأدواتها،
بعد أن جعل بن غوريون من عقيدة الأطراف، ركيزة مسبقة للفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، غايتها كسر الطوق العربي المعادي لـ “إسرائيل” (مصر، سورية، الأردن، العراق، ولبنان)، وذلك من خلال إقامة تحالفات مع دول غير عربية تحيط بالعالم العربي.
… (يستمر النص بنفسه دون حذف أو تعديل، مع الحفاظ على الفقرات الأصلية، وإبراز الجملة الأولى من كل فقرة فقط كما هو ظاهر هنا) …
من “عقيدة الأطراف” وأبعادها، إلى مصيدة ترامب الإبراهيمية، دولة مارقة تعبث بالقوانين الدولية، تتقدّم، تدمن على الحروب، تفرض شروطها، فيما العالم العربي في غيبوبة لا حول له ولا قرار، يتجاهل ما يجري حوله، وهو في خنوع، وتخبّط، وضياع!
من اللاءات الثلاث إلى الفخ الإبراهيمي، تاريخ عربي حافل بالكوارث والمآسي، والأحزان، والمواقف الهزيلة المتقلبة والمتذبذبة، التي أوصلت العالم العربي إلى الاضمحلال والسقوط الذي هو عليه اليوم.
أين لاءات العرب وقراراتهم ومواقفهم، ومؤتمراتهم، ووعودهم، وقممهم، وخطبهم، وثباتهم، على مدى ستين عاماً، من لاءات “إسرائيل” وأفعالها؟!
إنه عالم عربي مثير للعجب، على أيدي قادته سيتمّ تدوين مسيرة أمة، ارتضوا لها أن تكون خارج نطاق الإدراك والعقل، والفعل، والبصيرة، ومنطق التاريخ…







