مقالات وآراء

عبد الرحيم علي يكتب: ظِلالُ البَنَفْسَج

مَنْ تُرى يحمِلُ الآنَ وهج البنفسج والذكريات البعيدة ..
ويركض خلفَ شوارعنا القديمة يُلقى حقيبةَ حزني ويمضي،
خلفَ البحارِ،
المنازلِ،
خلف دروبِ السفرْ،
من تُرى يمنحني المستقرْ!

أرجعُ الآن طفلاً،
وأحلُم ثانيةً،
كان بيتي هنا،
هذهِ الطرقاتُ البعيدةُ
كانت قديمًا هنا
كان هذا المساءُ،
وكنت المطرْ!

والبيوتُ مكسَّرةً في عيونِ السماءِ،
وكنت الوهجْ!
لم أكنْ فَرِحًا
غير أنِّى أبتسمت
آهٍ من يمنح الجفنَ دمعا
ويخلعُ عني ثياب الوهن!

ايقظتنْي عيونُكِ هذا الصباحَ،
كان بيني وبين البلادِ الحبيبةِ
جرحٌ قديمٌ!
لم أكنْ أتحسَّسُ وجهَكِ،
كنت أراقب تلكَ التخومَ
ووجهي يلفُّ الوطنْ!

آهِ منْ سوف يُنزل الآن هذى الحقيبةّ عن كَتِفي،
يرجع النبضَ لي،
والبلادَ،
المواسمَ
تلك الحبيبةَ،
أميِّ، والرفاق..

محمد هاشم..
عيونٌ من بنفسج، وظهرٌ ينحني للماء كأنّه عكّازُ ليلٍ يعاندُ موجَ الصباح وينكسر.
موسيقى هادئة في المكان، ودخانُ سيجارة، وعبقُ عرقٍ معتّق، وجدرانٌ باهتةُ اللون، وعناوينُ من طحلب البحر، والرؤى الكونية تشعّ عبر الحائط المنسيّ في المنفى.
وأنا الراحلُ بين كراسات التاريخ والشمس، عائدٌ من شوارع أكلت روحي، لأتّكئ عليه.

أنا المنسيّ في الذكرى..
كنتُ أخوضُ وقتها معركةً كبرى مع جماعاتِ العنفِ الديني في مصر، ولم تكن تلك أكبرَ مشاكلي، لكن المشكلةَ الكبرى عندما اكتشفتُ صفقةً كبرى بين هؤلاء وبين أجهزةِ الدولة. وجاء مانشيتُ جريدةِ «الأهالي» وقتها، أغسطس من عام 1998، صادمًا:
«صفقة بين الحكومة وجماعات العنف».

وتوالت الصدماتُ والحلقاتُ والمانشيتات،
لألتقي بالعظيمِ ميلاد حنّا في منزله بالمهندسين، وبرفقتي الصديقُ المرحوم الدكتور جمال إسماعيل. بادرني الرجلُ بالسؤال: لماذا لم تُصدر كتابًا عن المعركة التي تخوضها الآن وتفاصيلها؟ فالتأريخُ لها بات واجبَ اللحظة.

وبعد مناقشاتٍ طويلةٍ ومستفيضة،
خرجتُ من عنده لأعودَ إليه في اليوم التالي، وقد أنهيتُ الفصلَ الأول من كتاب «المخاطرة في صفقة الحكومة وجماعات العنف».

وبعد انتهاء الكتاب،
بدأت رحلةُ البحث عن ناشرٍ لديه الجرأة لإصدار هكذا عنوان؛ وامتنع البعض، واعتذر آخرون، فالموضوعُ حسّاسٌ وخطير، والمعلوماتُ التي تحملها سطورُ الكتاب، والتحليلُ الذي يذهبُ إليه، يُنبئ بمعركةٍ كبرى قد تُطيح بالمؤلّف والناشر في آنٍ واحد.

ويشيرُ عليَّ أحدُهم بدار نشرٍ حديثةٍ ناشئة بجوار مكتبي في شارع سليمان باشا.
ونلتقي أنا وهو للمرة الأولى في دار ميريت، صيفَ عام 1998. ويتحمّس محمد هاشم، بفرحة طفل، للكتاب، ويتحدّث مع العبقري أحمد اللبّاد ليقوم بتصميم الغلاف.

ولا يكتفي بذلك،
وإنما بعبقريةٍ أخّاذة يطلب مني تعديل العنوان. كنتُ قد اتخذتُ لدراستي عنوان: «الخطر في صفقة الحكومة وجماعات العنف»، واختار هو «المخاطرة في صفقة الحكومة وجماعات العنف»، قائلًا: الخطر قدري، إنما المخاطرة فعلٌ بشري. فابتسمتُ.. ودارت ماكينةُ الطبع بالعنوان الجديد، وخرج الكتابُ إلى النور، وحدث ما كنتُ أتوقّعه: تمّ القبضُ على محمد هاشم، وتمّت مصادرةُ النسخِ الأولى من الكتاب.. وصار معي ما صار؟!.

ولكن نسخًا أخرى كانت قد سُرِّبت لعددٍ من الصحفيين،
أصدقاء هاشم، ويتوالى النشرُ داخل وخارج مصر، فيُفرج عن هاشم والكتاب، وأخرجُ أنا ببعض التهديدات، وحرق سيارتي أمام منزلي بشارع 9 بالمقطم.

وتبدأ علاقةُ دمٍ بيني وبين هاشم،
شهد عليها الكبار: أحمد فؤاد نجم، وسيد حجاب، وسيد خميس، وأسامة أنور عكاشة، وآخرون.

كان آخرُ شواهدها اللقاءَ الذي جمعني به في زيارتي الأخيرة للقاهرة؛
جلسنا في منزلي بالعجوزة، ومعنا محمد سعيد، ومحمد فرج، قادة التجمع، ومحمود حامد، والدكتور يسري عبد الله والزميل مجدي الدقاق، وتامر أفندي، وطارق علي، وعازف الناي الشهير إدوارد، لنروي بعضًا من تاريخ مصر، تاريخنا وتاريخ اليسار، ونرتشف ما تبقّى من قهوة الروح، بينما إدوارد يعزف لنا بالناي:
طلعت يا محلى نورها شمس الشموسة..
وأنا هويت وانتهيت..
وأنا المصري كريم العنصرين..

وينتهي اللقاءُ على وعدٍ بلقاءٍ آخر،
تيقنت انه سيكون هناك، حيث أبو النجوم، وعمّنا سيد حجاب، وأسامة أنور عكاشة، والفنان الكبير صلاح السعدني، وآخرون جمعتنا معهم جلسات ميريت، وسهرات الجريون، وأرصفة ومقاهي وسط البلد.

العم مشرف أبو حشيش..
لا يوجد صحفيٌّ ذهب إلى أسيوط لتغطية حوادث الإرهاب في تسعينيَّات القرن الماضي وما بعدها إلَّا ويَعرف الأستاذ مشرف أبو حشيش، مدير وكالة أنباء الشَّرق الأوسط بأسيوط، ومَن لمْ يُسعِدْه حظُّه بمعرفة الرَّجل؛ فقد فاته الكثير مِن معاني الرُّجولة والكرم والأخلاق في معانيها البكر.

عرفتُ الرَّجلَ عام ١٩٩١،
عندما ذهبتُ لتغطية أحداث صنبو .. شاهدتُ على هامش الأحداث إبَّانها الصِّراع المشتعل والمستتِر بين محافظها -آنذاك- اللواء حسن الألفي ونواب الحِزب الوطني بقيادة أمينه العام في أسيوط محمد عبد المحسن صالح؛ على خلفية انحياز نواب الحزب وأمينه العام إلى وزير الداخلية -آنذاك- اللواء محمد عبد الحليم موسى ضد المحافظ.. لمْ يكنْ يقف في صَفِّ حسن الألفي وقتَها سوى رجلين؛ أحدهما كان مشرف أبوحشيش، والآخر النائب محمد أحمد حسين نائب بندر أسيوط آنذاك.. عندما سمعتُ القِصَّة أدركتُ مدى الظلم الواقع على المحافظ حسن الألفي ومحاولات رجال الحزب الوطني محاصرته لصالح شائعات رشحته بديلًا لعبد الحليم موسى، الأمر الذي أشعل المعركة بين الرجلين دون أدنى سبب ظاهر لها.. عندها عرفتُ معدن الرَّجل؛ سبيكة من ذهب، يُناصِر الحقَّ، ولا يخشى في الله لومة لائم.

ظلَّت علاقتي بمشرف أبو حشيش مُمتدَّة لسنوات عديدة،
دون أن نلتقي أو حتى نتصافحَ يدًا بيد، حتى أُذيع خبر اقتحام مكتبي في الدُّقي عام 2014 من قبل أكثر من 36 مسلحا عقب فض اعتصام رابعة، حيث فاجأني الرَّجل باتصاله، ليس ليطمئن عَليَّ ولكن ليُعلن لي استعداده بصِدْق للقدوم إلى القاهرة هو وعائلته والوقوف أمام مكتبي بسلاحهم الشخصي للدفاع عنِّي وحمايتي أنا وأسرتي وكل العاملين بالبوابة.. شكرتُه وأكبرتُ فيه الفِعْلَ والفاعِل.. وظلَّ الرجلُ يُرسِل إليَّ رسائل المودَّة والحُبِّ بين الحين والآخر.. لمْ ألتقِهْ ربما لثلاثين عامًا أو يَزيد، ولكن صورته ظلَّت أمام عينيَّ لا تغيب رمزًا للرجولة والشهامة والكرم..

ورحل مشرف أبو حشيش قبل أن أزوره كما وعدته في أسيوط،
كنت آنذاك في باريس، ولم أشعر بنفسي إلَّا وأنا أكتبُ لابنته وابنه، أطلب منهما أن يُسامِحاني؛ لأنَّني لمْ أسألْ عنه طوال تلك الفترة، وأعترفُ لهما بأنَّني أحببتُه مثل أخي وأكثر، وأنني موجود بجانبهما -حتى وإن كنتُ بعيدًا- لأسُدَّ بعضًا مِن دَينِه.. فسلامٌ عليكَ يا عمّ مشرف .. سَلِّم على أهلنا هناك وانتظرني..

باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى