
لم يعد ما يجري حول مصر مجرد أزمات متفرقة أو صراعات محلية يمكن احتواؤها بسياسة الانتظار، بل بات مشروعًا متكامل الأركان يستهدف إعادة تشكيل الإقليم من جذوره. خلف هذا المشهد يقف بوضوح مشروع “إسرائيل الكبرى”، لا بوصفه شعارًا أيديولوجيًا، بل كخطة جيواستراتيجية عملية، تقوم على تفكيك الدول المركزية المحيطة، وكسر الجيوش الوطنية، وتحويل الجغرافيا العربية إلى فسيفساء من الكيانات الضعيفة. هذا المشروع لا يُدار مباشرة من تل أبيب وحدها، بل يُنفّذ ميدانيًا بتمويل ورعاية إماراتية، عبر الوكلاء والمليشيات والقواعد والموانئ والاختراقات الاقتصادية والأمنية.
ما يحيط بمصر اليوم هو طوق نار متصل: السودان يُدفع نحو التفكك عبر حرب مليشيات على حدودها الجنوبية، ليبيا تُستنزف عبر شرقٍ مفصول عمليًا عن الدولة تُفتح فيه المطارات وتُدار فيه القواعد خارج أي سيادة وطنية، سوريا تُعاد هندستها شمالًا وجنوبًا في مسار تقسيم هادئ، والصومال يُزرع فيه كيان انفصالي عند باب المندب، في تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر وقناة السويس. هذه ليست صدفة جغرافية، بل خريطة ضغط متكاملة على الدولة المصرية.
التناقض الصادم أن مصر هي المستهدف الأول تاريخيًا في هذا المشروع. فمنذ قيام الكيان الصهيوني، كانت القاهرة الخصم الاستراتيجي الأخطر: خاضت الحروب الكبرى، وقادت الصراع العربي، وامتلكت الجيش والعقيدة والموقع القادر على كسر أي تمدد إسرائيلي. حتى في فترات السلام البارد، بقيت مصر في الحسابات الإسرائيلية “الخطر المؤجل” الذي يجب تحييده لا مواجهته. ولهذا كان تفكيك محيطها، لا ضربها مباشرة، هو الخيار الأذكى.
اليوم، يُعاد تنفيذ الفكرة ذاتها بأدوات جديدة: لا حروب نظامية، بل مليشيات، ولا اجتياحات، بل انهيارات داخلية، ولا احتلال مباشر، بل وكلاء إقليميون. وهنا يظهر الدور الإماراتي كمقاول إقليمي للمشروع، يتولى التمويل والتشغيل والتغطية السياسية، من اليمن إلى السودان، ومن ليبيا إلى القرن الإفريقي، تحت شعارات زائفة مثل “مكافحة الإرهاب” و”محاربة الإسلام السياسي”، وهي سرديات ثبت أنها استُخدمت لتبرير ضرب أي قوة وطنية أو تيار شعبي يرفض التفكيك.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف تغيب القاهرة عن مواجهة مشروع يستهدفها أولًا قبل غيرها؟ وكيف تتحول من لاعب تاريخي في قلب الصراع إلى مراقب حذر بينما تُعاد صياغة بيئتها الأمنية؟ هل ما يجري هو إدارة مخاطر مؤقتة، أم أن مصر باتت حبيسة تأثير لوبي إسرائيلي–إماراتي يهدف إلى شل إرادتها السياسية وتحييدها عن أي اصطفاف إقليمي مضاد؟
المفارقة أن لحظة التحول الحالية تشهد تراجع فعالية أدوات المشروع نفسه. الوكلاء المحليون بدأوا يتحولون إلى عبء، والفوضى خرجت عن السيطرة، وظهرت في المقابل نواة اصطفاف إقليمي مضاد يقوم على فكرة الدولة والسيادة، تقوده السعودية وتدعمه تركيا وباكستان. هذا الاصطفاف لا يستهدف التصعيد، بل كبح مشروع التفكيك قبل أن يكتمل.
هنا تحديدًا تصبح مصر عنصر الحسم. فبدون القاهرة، يظل أي تحالف ناقصًا، وبدخولها يتغير ميزان الإقليم بالكامل. التاريخ لا يرحم الدول التي تتأخر عن لحظات التحول الكبرى، ولا يكافئ من يراهن على الحياد في معارك الوجود.
المشهد واضح: مشروع إسرائيل الكبرى يتقدم عبر أدوات غير مباشرة، والإمارات هي رأس الحربة التنفيذية، ومصر هي الجائزة الاستراتيجية الأهم. السؤال لم يعد هل الخطر حقيقي، بل: متى تقرر القاهرة كسر دائرة التردد، واستعادة دورها الطبيعي في مواجهة مشروع صُمم أساسًا لتحييدها؟
المنطقة تدخل مرحلة فرز حاسم. إما أن تكون مصر في موقع من يصنع التوازن، أو تجد نفسها لاحقًا أمام واقع إقليمي صيغ على حسابها، وبلا قدرتها التاريخية على تعديله.







