مقالات وآراء

مجدي حمدان يكتب: برلمان باطل قبل أن يبدأ

حين وقف نواب البرلمان اليوم لأداء اليمين الدستورية، لم يكن المشهد مجرد إجراء بروتوكولي لافتتاح فصل تشريعي جديد، بل كان ـ للأسف ـ إعلانًا مبكرًا عن تناقض صارخ بين القسم المُعلن والدستور المُنتهك.

فقد أدى النواب اليمين الدستورية التي نصها: أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه

وهو قسم جليل في معناه، خطير في دلالته، لا يحتمل العبث ولا التأويل، ولا يجوز أن يُؤدَّى في ظل مخالفة دستورية صريحة، وواضحة، وغير قابلة للاجتهاد.

المخالفة الجوهرية أن هذا اليمين قد أُدي داخل مقر مجلس النواب بـ”العاصمة الإدارية”، التي جرى تغيير مسماها رسميًا إلى “العاصمة الجديدة” في نوفمبر الماضي، بينما ينص الدستور المصري ـ في مادته (114) ـ نصًا قاطعًا لا لبس فيه على أن:

يكون مقر مجلس النواب في مدينة القاهرة، ويجوز له في الظروف الاستثنائية عقد جلساته في مكان آخر بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو ثلث عدد أعضاء المجلس، واجتماع المجلس على خلاف ذلك، وما يصدر عنه من قرارات، باطل”

النص واضح، صريح، ومحدد للمكان، وليس توجيهًا رمزيًا أو توصية إدارية، ومخالفة هذا النص لا تمثل خطأً إجرائيًا عابرًا، بل عيبًا دستوريًا جسيمًا يترتب عليه بطلان ما بُني عليه، وفقًا لأبسط القواعد الدستورية المستقرة، ولا توجد أي ظروف استثنائية، كزلازل أو حروب أو ثورات.

وعليه، فإن انعقاد الجلسة الأولى في غير المقر الدستوري، وأداء اليمين في مكان مخالف للدستور، يفتح الباب واسعًا أمام القول ببطلان اليمين ذاته، وما يترتب عليه من آثار قانونية، لأن ما بُني على باطل فهو باطل.

والسؤال الأخطر هنا: كيف لبرلمان يبدأ عمله بمخالفة الدستور أن يكون حارسًا عليه؟

وكيف لنواب أقسموا على احترام الدستور أن يتجاوزوه في أول خطوة لهم تحت القبة؟

إن احترام الدستور لا يتجزأ، ولا يبدأ حين نريد، ولا يُعطَّل حين يسبب حرجًا سياسيًا أو إداريًا، والدولة التي تتحدث عن “الجمهورية الجديدة” لا يمكن أن تؤسسها على أول مخالفة دستورية علنية، موثقة، ومعلومة للكافة.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الأخلاقية والدستورية تفرض على السادة النواب ـ إن كانوا جادين في قسمهم ـ أن يعلنوا صراحة تخلِّيهم عن هذا اليمين المعيب دستوريًا، وأن يُعاد أداؤه مرة أخرى، في المكان الذي حدده الدستور، احترامًا للنص، وصونًا للمشروعية، وحفاظًا على ما تبقى من هيبة العمل النيابي.

أما الإصرار على تجاهل هذه المخالفة، فمعناه أن البرلمان يبدأ مسيرته بشرعية منقوصة، ويفتح على نفسه أبواب الطعن السياسي والدستوري، ويؤكد أن الأزمة ليست في النصوص، بل في من يتعامل معها باعتبارها اختيارًا لا التزامًا.

إن الدستور لا يُحترم بالشعارات، بل يُحترم بالفعل، وبالالتزام الحرفي قبل السياسي، وأي برلمان لا يبدأ من هذا المبدأ.. هو برلمان باطل قبل أن يبدأ

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى