العالم العربي

انخفاض معدلات المواليد في الدول العربية يثير جدلًا ديموغرافيًا بين التحذير والتطمين

يمضي قطار انخفاض معدلات المواليد في الدول العربية بوتيرة لافتة خلال السنوات الأخيرة، ما فتح نقاشًا واسعًا بين خبراء علم الاجتماع والسكان والاقتصاد حول تداعيات هذا التحول، بين من يحذر من الشيخوخة السكانية ونقص الأيدي العاملة، ومن يرى فيه مسارًا طبيعيًا للتحديث والتحول الاجتماعي.

قراءات خبراء الاجتماع والسكان
يرى أستاذ علم الاجتماع التونسي مهدي مبروك أن أسباب انخفاض المواليد متعددة ولا يمكن تعميم سبب واحد على مختلف المجتمعات العربية، مشيرًا إلى اختلاف السياقات بين مصر والسعودية وتونس، مع وجود اتجاه عام لما يعرف في العلوم الاجتماعية بـ«التحولات الديموغرافية» التي بدأت في المجتمعات الغربية منذ ستينيات القرن الماضي، وتظهر اليوم في المجتمعات العربية بأشكال متفاوتة.
ويضيف أن هناك توجهًا عالميًا للاكتفاء بالحد الأدنى من الأبناء، ليس فقط بسبب ضيق الموارد المالية، بل أيضًا نتيجة وعي متزايد بأهمية الرعاية النفسية والاجتماعية والذهنية للأطفال، وانتقال المجتمعات من نموذج العائلة الممتدة إلى العائلة النووية الأصغر.

تحذيرات من الشيخوخة السكانية
يحذر مبروك من عبور المجتمعات العربية من مرحلة «الشباب السكاني» إلى «الشيخوخة السكانية»، موضحًا أن تونس دخلت بالفعل عتبات الشيخوخة مع انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.8 طفل للمرأة، وهو أقل من معدل الإحلال السكاني.
ويتوقع أن تشهد دول عربية أخرى، بينها مصر والسعودية، مسارًا مشابهًا خلال السنوات المقبلة، ما سيؤثر على تركيبة سوق العمل ويدفع إلى استيراد الأيدي العاملة، إلى جانب بروز تحديات اجتماعية مثل عزلة كبار السن ونمو مؤسسات رعاية المسنين ومهن طب الشيخوخة.

الانخفاض مسار طبيعي للتحديث
في المقابل، يرى الخبير العربي والدولي في السكان والديموغرافيا، الأكاديمي المصري أيمن زهري أن انخفاض معدلات المواليد يعد أمرًا إيجابيًا وطبيعيًا في الدول العربية، لأنه يعكس مسارًا حداثيًا يرتبط بنمو الوعي الذاتي للأفراد وتفضيل جودة تنشئة الأطفال على عددهم.
ويؤكد أن العوامل الاقتصادية ليست وحدها المؤثرة؛ فالظروف الصعبة قد تقلل الإنجاب، بينما قد تؤدي الظروف الجيدة أيضًا إلى العزوف عنه بدافع التمتع بالحياة الفردية، مشددًا على أن تأثير الشيخوخة السكانية، إن حدث، سيكون بعيد المدى وقد يحتاج إلى ثلاثة عقود للظهور.

سلاح ذو حدين اقتصاديًا
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي وعضو الجمعية المصرية للتشريع والاقتصاد، الدكتور علي الإدريسي أن انخفاض معدلات المواليد لم يعد حدثًا عابرًا، بل تحولًا ديموغرافيًا يعكس تغيرًا عميقًا في السلوك الاقتصادي والاجتماعي للأسرة العربية.
ويشير إلى أن لهذا التحول آثارًا حالية محدودة، لكنه يحمل انعكاسات مستقبلية كبيرة على الاقتصاد والنمو وسوق العمل، وقد يكون فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاجية والمعرفة والتكنولوجيا، أو خطرًا إذا تُرك دون تخطيط ليؤدي إلى نقص العمالة وارتفاع أعباء الإعالة والمعاشات والرعاية الصحية.

إحصاءات عربية تؤكد التراجع
تعكس البيانات الرسمية في عدة دول عربية هذا الاتجاه، إذ تراجع عدد المواليد في السعودية من 465 ألف مولود عام 2017 إلى 417 ألفًا في 2022، كما انخفض معدل الولادات من 44 لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 في 2023.
وفي مصر، سجل عدد المواليد نحو 1.998 مليون مولود بنهاية 2024، بتراجع قدره 77 ألفًا عن العام السابق، بينما شهد لبنان انخفاضًا يقارب 40% في عدد المواليد بعد الأزمة الاقتصادية.
كما أظهرت بيانات تونس تراجعًا بنسبة 10% في عدد المواليد خلال عام 2024، فيما كشفت تقديرات دولية عن تفاوت واضح في أعداد المواليد بين الدول العربية خلال عام 2025، مع تصدر مصر واليمن والعراق القائمة.

بين الإفراط والتفريط
ويجمع الخبراء على أن الحل لا يكمن في تشجيع الإنجاب العددي المباشر ولا في ترك المسار بالكامل لقوى السوق، بل في إدارة ذكية ومتوازنة للتحول الديموغرافي، بما يحقق توازنًا بين تجنب التهرم السكاني الحاد وضمان جودة الحياة والرعاية للأجيال القادمة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى