فرعون بلا قبر: كيف لفظت الأرض الطاغية الذي لم تنتمِ له، ولماذا لم تعترف به مصر فمحته من ذاكرتها

التاريخ الذي بين أيدينا ليس كذبًا كاملًا، لكنه ليس الحقيقة كاملة أيضًا، فبين ما كُتب وما صُمِت عنه مسافة شاسعة، وفي تلك المسافة تحديدًا تختبئ الحكايات التي لا يُراد لها أن تُروى، لأن بعض الحقائق لا تُهدد الماضي فقط، بل تُربك الحاضر وتفضح الطريقة التي نختار بها أبطالنا وأشرارنا.
نحن لم نتعلّم تاريخ مصر القديمة كما كان، بل كما أراد المنتصرون والورثة أن يبدو، تعلمناه مصقولًا، منضبطًا، خاليًا من الأسئلة المزعجة، وكأن حضارة عمرها آلاف السنين يمكن اختزالها في أسماء ملوك ونقوش حجرية، دون أن نسأل أنفسنا يومًا: لماذا اختفت أسماء بعينها، ولماذا صمت الحجر أحيانًا وهو الذي لا يصمت؟
حين نقرأ قصة يوسف، نجد حاكمًا يُسمّى ملكًا، رجلًا يدير دولة، يخضع لنظام، يتحرك داخل منظومة، وحين ننتقل إلى قصة موسى، لا نجد ملكًا، بل فرعون، ليس لقبًا إداريًا بل توصيفًا سلطويًا متعاليًا، وكأن النص نفسه يهمس بأننا لسنا أمام استمرار طبيعي للحكم، بل أمام قطيعة، أمام شيء طارئ جلس فوق البلاد ولم يخرج منها.
الغريب أن هذا الفرعون، الذي قيل لنا إنه من عظماء مصر، لا يملك قبرًا معروفًا، ولا رحلة أبدية مرسومة، ولا حضورًا ثابتًا في وادي الملوك الذي احتضن حتى الملوك الهامشيين، وكأن الأرض التي احتملت الجميع لفظته وحده، أو كأن المصريين، بعد أن زال خطره، اختاروا أقسى عقاب يمكن أن يُنزَل بحاكم: النسيان المتعمّد.
الأحداث لا تدور حيث اعتدنا أن نرى قلب الحضارة، لا في الجنوب حيث المعابد والطقوس والشرعية، بل في الشمال، قرب الحدود، قرب الرمال، في مدن نشأت على العبور لا على الجذور، حيث يمكن للغريب أن يحكم دون أن يتجذّر، وحيث يعيش العبيد قرب القصر لا لأنهم مكرَّمون، بل لأن المحتل لا يطمئن، فيراقب الجميع من أقرب مسافة.
وحين يقف موسى أمام هذا الفرعون، لا نرى حوار حضارتين، بل صدام هويتين، كلمات تُقال بلا وسيط، فهم مباشر، مواجهة وجهاً لوجه، وكأن اللغة نفسها تكشف أن الصراع لم يكن بين مصري وغريب، بل بين غريبين أحدهما اختار الحق والآخر تشبث بالسلطة.
الفرعون لا يلجأ إلى القانون، لأن القانون لا يخدم من لا ينتمي، فيلجأ إلى السحرة، إلى الخداع، إلى كسر الوعي قبل كسر الجسد، وحين ينكسر هذا السحر، تبدأ الأرض نفسها في التمرد، فيرفض النيل أن يكون شاهد زور، ويتحوّل مصدر الحياة إلى علامة اتهام، كأن الطبيعة تعلن انحيازها لأصحابها لا لحاكم يدّعي الألوهية وهو في داخله يعلم أنه طارئ.
ثم تأتي اللحظة الفاصلة، ليس في القصر ولا في ساحة حرب، بل عند البحر، ذلك الحد الذي لا يعترف بالألقاب، حيث يمر من يملك الحق، ويغرق من يملك الوهم، وحين ينشق الماء، لا يكون معجزة للنجاة فقط، بل اختبارًا أخيرًا، يفضح من يفهم الإشارة ومن يسيء قراءتها.
الجسد الذي خرج من البحر لم يكن تكريمًا ولا تخليدًا، بل رسالة قاسية، جسد بلا مملكة، بلا شعب، بلا أرض، دليلًا على أن الطغيان قد يعلو زمنًا، لكنه لا يترك أثرًا شرعيًا، وأن التاريخ، مهما طال تزويره، يحتفظ بلحظة حساب مؤجلة.
وحين عاد المصريون لكتابة تاريخهم، لم يحتاجوا إلى شتم هذا الفرعون ولا إلى تمجيده، اكتفوا بمحو اسمه، لأن الحضارات الواثقة لا تخشى الاعتراف، لكنها ترفض أن تُحمَّل جرائم الغرباء، فاختاروا الصمت كطريقة تطهير، وتركوا البحر يحتفظ بالقصة.
فرعون موسى لم يكن مجرد رجل انتهى، بل نموذج يتكرر، محتَلٌّ يظن أن الخوف يصنع شرعية، وأن القمع يخلق خلودًا، لكن الأرض، في نهاية كل دورة، لا تخون أصحابها، ولا تحفظ أسماء من مرّوا عليها بلا حق، مهما طال الزمن.






