مقالات وآراء

سيف الدين بوعلاق: تونس باتت «خبزًا يوميًا» لمراكز القرار الغربية… وثورة قادمة إن حدثت فلن تشبه 2011

عندما نقول إن الوضع في تونس معقّد وحسّاس

فهو ليس من قبيل المبالغة والتهويل إذ أصبحت تونس “خبز يومي” لمراكز الأبحاث القريبة من دوائر القرار الغربية.

مثلا: معهد بروكينغز (Brookings Institution) وهو مركز أبحاث أمريكي يُعدّ من الأقدم والأكثر تأثيرًا في العالم ويشارك خبراءه في تقديم الاستشارات للكونغرس والإدارات الأمريكية. يصدر اليوم 14 جانفي 2026 تحليلا مطولا عن الأوضاع في تونس ومباشرة يتحدث عن جيشنا الوطني ويخلص إلى التالي:

“باختصار، قد تشهد تونس في السنوات المقبلة احتجاجات جماهيرية من جديد. لكن إن حدث ذلك، فسيجري في سياق أكثر صعوبة بكثير — سياق يتسم بجيش أكثر تسييسًا وغياب مؤسسات اجتماعية وسياسية قوية وموثوقة. قد تعود الثورة، لكنها لن تشبه ثورة 2011”

المقال مترجم بالذكاء الاصطناعي:

في مثل هذا اليوم من عام 2011، أطاح التونسيون بديكتاتورهم الذي حكمهم لسنوات طويلة، زين العابدين بن علي، مشعلين بذلك شرارة الربيع العربي. وبعد خمسة عشر عامًا، وبعد تجربة ديمقراطية فاشلة، يواجه التونسيون من جديد الظروف نفسها التي غذّت ثورتهم: اقتصادًا متدهورًا، ونظامًا قمعيًا، وغياب الأمل. لكن ورغم عودة أسباب الثورة، فإن العوامل التي سهّلت ثورة تونس وانتقالها إلى الديمقراطية — جيش داعم، ومجتمع مدني قوي، وطبقة سياسية متعاونة — قد تلاشت إلى حدّ كبير. ولذلك، فإن أي انتفاضة اليوم ستبدو مختلفة جدًا عمّا كانت عليه في عام 2011.

جيش أكثر تسييسًا

لنبدأ بالمؤسسة العسكرية. فقد لعب الجيش دورًا محوريًا في ثورة 2011 من خلال رفضه إطلاق النار على المتظاهرين، ما لم يترك لبن علي خيارًا سوى الفرار من البلاد. وكان هذا الامتناع عن الدفاع عنه نابعًا جزئيًا من اختياره إهمال الجيش وتهميشه، إضافة إلى حسّ مهني محايد وغير مسيّس لدى سلك الضباط.

غير أن الأمور تغيّرت في عهد الرئيس قيس سعيّد. فالجيش لم يعد مُهمَلًا: إذ عيّن سعيّد ضباطًا عسكريين وزراء، ووسّع أدوار الجيش في مجالات الزراعة والأشغال العامة والصحة، ورقّى كبار الضباط إلى رتب نادرًا ما بلغوها في السابق. وبات للضباط اليوم مصالح أكبر بكثير في الحفاظ على سعيّد مما كانت لهم مع بن علي. علاوة على ذلك، أضعف سعيّد مهنية الجيش بزجّه في السياسة، حين أمره بإغلاق البرلمان عام 2021 وأجبره على الانحياز في نزاع سياسي. وبعد خمس سنوات من تنامي النفوذ السياسي، لم يعد واضحًا ما إذا كان الجيش سينسحب سريعًا إلى ثكناته كما فعل بعد ثورة 2011. ولذلك، فإن أي انتفاضة اليوم قد تضطر إلى مواجهة جيش أكثر تسييسًا مما كان التونسيون محظوظين بمواجهته في المرة الأولى.

مجتمع مدني أضعف

ثانيًا، المجتمع المدني. فقد كانت تونس تزخر بمنظمات قوية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي ساهم في تسهيل كل من الثورة والانتقال السياسي. وكان قرار الاتحاد الانضمام إلى الثورة نقطة تحوّل حاسمة، إذ يُعدّ إضرابه العام في صفاقس يوم 12 جانفي أكبر احتجاج فردي في تلك المرحلة. وعندما تعثّر الانتقال في عام 2013، مكّنته شرعيته الواسعة لدى الرأي العام والنخبة السياسية من قيادة حوار وطني أعاد العملية الانتقالية إلى مسارها.

لكن اليوم، أصبح الاتحاد العام التونسي للشغل — والمجتمع المدني عمومًا — مجرد ظل لما كان عليه. وحتى قبل استيلاء سعيّد على السلطة في 2021، كان الاتحاد قد فقد شعبيته تدريجيًا، وأصبح يُنظر إليه على أنه مسيّس أكثر من اللازم، ومتصلّب، بل وفاسد أحيانًا. وبعد نزع الشرعية عنه، جرى إخضاعه واستمالته لدعم إجراءات سعيّد. ورغم أنه بدأ أخيرًا في انتقاد سعيّد، لم يتمكن الاتحاد حتى الآن من حشد سوى بضعة آلاف في الشوارع. وسيكون الإضراب العام الذي أعلن عنه ليوم 21 جانفي اختبارًا حاسمًا، إلا أن الاستقالة التي بدت مفروضة على زعيمه نور الدين الطبوبي بعد هذا الإعلان تثير الشكوك حول إمكانية تنفيذ الإضراب أصلًا. وهكذا، فإن المجتمع المدني القوي الذي تمتعت به تونس سابقًا يبدو اليوم ضعيفًا ومستوعَبًا من السلطة، وغير قادر على قيادة ثورة أو حماية انتقال ديمقراطي.

طبقة سياسية أكثر تشتتًا

العامل الثالث الذي سهّل انتقال تونس إلى الديمقراطية كان تعاون طبقتها السياسية. فرغم قمع بن علي، كانت هناك مجموعة من أحزاب المعارضة — القانونية منها والسرية — التي استطاعت بناء حضور جماهيري وتحديد مواقعها الأيديولوجية. وبعد الثورة، تمتع قادة تلك الأحزاب بثقة متبادلة وبشرعية كافية داخل قواعدهم، ما مكّنهم من جمع أطرافهم المختلفة والتوصل إلى توافق حول دستور 2014.

أما تونس اليوم، فتكاد تخلو من الأحزاب. فقد سجن سعيّد قادة جميع الأحزاب السياسية الكبرى وهمّش الأحزاب عمومًا ضمن مساره السياسي «من القاعدة إلى القمة». كما أن القلة من التونسيين الذين لا يزالون مهتمين بهذه الأحزاب عجزوا عن التوحّد عبر الخطوط الأيديولوجية. وإذا ما حدثت ثورة وانتقال جديد، فمن المرجح أن تكون القوى التي ستبرز أضعف وأكثر فوضوية وأقل تعاونًا من الأحزاب التي حظيت بها تونس بين عامي 2011 و2015.

تراجع الثقة في الديمقراطية وتقلّص الدعم الخارجي

وأخيرًا، حتى العوامل الثانوية مثل الرأي العام والدعم الخارجي قد تغيّرت. فعلى مدى الخمسة عشر عامًا الماضية، ازداد إحباط التونسيين من الديمقراطية، وكذلك من مؤسساتها كالأحزاب والبرلمان والمحاكم. وإذا اندلعت ثورة اليوم، فمن غير المرجّح أن تكون الديمقراطية أولوية كبرى لدى المحتجين. كما أن تونس لن تحظى على الأرجح بتدفّق المساعدات الأجنبية من الولايات المتحدة وأوروبا كما حدث خلال المرحلة الانتقالية. وبدلًا من ذلك، قد تواجه تدخلًا متزايدًا من قوى إقليمية تمتد من الخليج إلى تركيا، وربما إلى جانب إيران والصين.

ثورة في ظل قيود جديدة

لا يعني كل ذلك أن ثورة اليوم محكوم عليها بالفشل. لكن الفاعلين فيها سيحتاجون إلى التكيّف استراتيجيًا مع هذا الواقع الجديد. فالجيش لم يعد عاملًا مضمونًا، وسيتعيّن التعامل معه بحذر. وسيكون الحفاظ على اللاعنف، وبناء علاقات أخوية مع الجنود في الميدان، وربما أيضًا التعهّد بالحفاظ على نفوذ الضباط السياسي الجديد، أمرًا أساسيًا لضمان تخليهم عن النظام. وفي الوقت نفسه، على الأحزاب السياسية القائمة ومنظمات المجتمع المدني أن تعيد ابتكار نفسها، عبر تقديم وجوه جديدة وأفكار جديدة، لاستعادة دعم الرأي العام. كما ينبغي للتونسيين الناقمين على هذه المؤسسات، وللشباب الذين لا تربطهم بها أي صلة، أن يؤسسوا تنظيماتهم الخاصة. ورغم أن ترخيص أحزاب سياسية جديدة يبدو مستبعدًا في البيئة القمعية الراهنة، فإن التنظيم ضمن حركات اجتماعية غير رسمية — مثل حركة الاحتجاج ضد التلوث التي هزّت قابس الخريف الماضي — يمكن أن يوفر مزايا تنظيمية مماثلة.

باختصار، قد تشهد تونس في السنوات المقبلة احتجاجات جماهيرية من جديد. لكن إن حدث ذلك، فسيجري في سياق أكثر صعوبة بكثير — سياق يتسم بجيش أكثر تسييسًا وغياب مؤسسات اجتماعية وسياسية قوية وموثوقة. قد تعود الثورة، لكنها لن تشبه ثورة 2011.

المقال كامل هنا

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى