هشام فريد يكتب: في مثل هذا اليوم… ذكرى ميلاد “بطل العالم في الولا حاجة”

في مثل هذا اليوم، لا نُشعل الشموع، بل نفتح دفاتر الحساب.
لا نبحث عن الأسطورة، بل نفتّش في الركام. ذكرى ميلاد زعيمٍ قُدِّم طويلاً باعتباره “المنقذ”، بينما كان في الواقع — وبلا تزيين — مسدس صوت، وضجيجًا بلا إنجاز، وبطولة من ورق.
غادر جمال عبد الناصر مصر بعدما أسّس لحكمٍ عسكريٍّ مستبد، غاشم، مزّق الوطن فتركه أشلاء.
ترك جيشًا مُنهكًا، وشعبًا مكسورًا، ودولةً محكومة بالخوف. كان ذلك عصر سحق الأحلام الكبرى، عصر الموات الشامل سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا وأخلاقيًا وروحيًا. عصر الانهيارات الكبرى والموت المؤجّل، بآثارٍ على الضمير المصري والعربي أفدح مما تخيّله أشد المتشائمين.
سيشهد التاريخ — بلا مواربة — أن عبد الناصر تسلّم دولة اسمها مملكة مصر والسودان، وكان قطاع غزة تحت إدارتها، ثم سلّمها لمن بعده من دون السودان، ومن دون غزة، ومن دون ثلث مصر: سيناء.
كان يقاتل في الكونغو واليمن، ويرفع رايات القومية والاشتراكية من المحيط إلى الخليج، ويهتف في المواطن: ارفع رأسك يا أخي.
لكن المواطن المسكين، المخدوع، لم يكن قادرًا على رفع رأسه من طفح المجاري، ولا من كرباج المخابرات، ولا من رعب المعتقلات، ولا من سيف الرقابة، ولا من عيون المباحث. ساد مناخ لا يزدهر فيه إلا المنافق، وصار الشعار: الطاعة والولاء قبل العلم والكفاءة. تدهورت القيم، هبط الإنتاج، وارتفع صوت الغوغاء فوق كل شيء.
عشرون عامًا عاشها عبد الناصر في ضجيج إعلامي أجوف، ومشروعات دعائية، واشتراكية خائبة.
ثم جاءت الإفاقة على هزيمة تقصم الظهر، وانهيار اقتصادي، وآلاف القتلى تحت رمال سيناء، وعتاد عسكري تحوّل إلى خردة. ضاع البلد… وضاع المواطن.
أما الوحدة العربية التي تغنّى بها إعلامه وصحفيو عصره، فأين هي؟
التجربة الوحيدة للوحدة في عهده (مصر–سوريا–اليمن) لم تكد تُولد حتى انهارت، وصارت هباءً تذروه الرياح.
ومقولة الثورة: ارفع رأسك فقد ولّى عهد الاستعمار… أين الرؤوس التي ارتفعت؟
نعم، ارتفعت — لكن ليسهُل ذبحها. فمن لم يقل “آمين” للزعيم، كان مصيره معروفًا.
وتهديد رمي إسرائيل ومن وراءها في البحر… سؤال بريء: ما الانتصار العسكري الوحيد الذي حققه الزعيم؟
في 1956، هُزمت مصر عسكريًا هزيمةً قاسية، ولولا الإنذار الأميركي–السوفييتي بانسحاب القوات المعتدية، لكانت مصر مُحتلة.
انسحبت إسرائيل وقد حصدت مكسبًا استراتيجيًا: حرية الملاحة في خليج العقبة. أما الإعلام، فحوّل الهزيمة إلى “نصر”.
ادّعى عبد الناصر البطولة بتأميم قناة السويس، فتسبّب في حرب دمّرت مدن القناة، ثم دُفعت قيمة أسهم القناة كاملة في بورصة لندن من مال الشعب.
ثم جاءت نكسة 1967: كارثة الكوارث.
مقتل ما لا يقل عن 100 ألف شاب مصري في رمال سيناء، ثم تحميل المسؤولية لعبد الحكيم عامر، بينما كان الإعلام يزعم أن الجيش على أبواب تل أبيب!
اقتصاديًا، أين البصمات؟ أين الإنجازات؟
تسلّم مصر والجنيه المصري يعادل ثمانية جنيهات إسترلينية، والقطن المصري “ذهبًا أبيض” في الأسواق العالمية، ثم أُهدرت الموارد، وضاع الطمي خلف السد العالي، وتضرّرت الزراعة.
سدٌّ كان من الأجدى — علميًا — بناؤه خلف منخفض القطارة، كما تؤكد دراسات موثّقة.
ومن أراد التفصيل، فليعد إلى كتاب «مصر قبل عبد الناصر» للمؤرخ عبد العظيم رمضان، وإلى دراسات التاريخ الاقتصادي لمصر عبر العصور؛ ليرى كيف أُغلقت أبواب النهوض.
سياسيًا… حدّث ولا حرج، وإن لم تستطع فابكِ.
هو أول من أقصى كل معارضيه، وأول من شرعن التعذيب، وأول من دمّر الحياة السياسية بتأصيل الحاكم الواحد الملهم. ألغى التعددية، استبدل الأحزاب بالاتحاد الاشتراكي، وفتح السجون الحربية للتنكيل بكل مخالف، بإدارة أسماء باتت مرادفًا للعنف: صلاح نصر، شمس بدران، وشهادات لا تُحصى في مذكرات وخطب الشيخ عبد الحميد كشك.
براغماتيًا — بالمكسب والخسارة — النتيجة مُفزعة.
تُثبت مذكرات عبد اللطيف بغدادي ومراد غالب أن الزعيم اختار الحكم على وحدة الأرض، فقبل بانفصال السودان، وما تلاه من كوارث، ونكّل باللواء محمد نجيب، وفرض عليه الإقامة الجبرية، وجرّده من كل معنى للوجود.
حلّ مجلس نقابة المحامين عام 1954 لأن جمعيتها طالبت الجيش بالعودة إلى ثكناته.
وابتدع “الاستفتاءات” بنسبة 99.999% موافقة. تسلّم مصر بحدود تمتد جنوبًا إلى إثيوبيا وشرقًا إلى غزة، وتركها بلا السودان، بلا غزة، بلا سيناء… وإسرائيل على بُعد خمسين دقيقة من القاهرة.
ترك مصر وقد أسّس لحكم عسكري مستبد، مزّق الوطن، وخلّف جيشًا مُنهكًا، وشعبًا خائفًا.
والسؤال — بلا رتوش ولا عواطف — هل يستحق جمال عبد الناصر لقب “زعيم”؟
التاريخ لا يصفّق… التاريخ يُدين.






