
لم يكن ما جرى من انسحابات في سباق رئاسة الوفد تفصيلًا انتخابيًا عابرًا، ولا خلافًا إجرائيًا يمكن احتواؤه ببيان أو تفسيره بمواعيد وكشوف، بل كان لحظة كاشفة لمعنى الوفدية والليبرالية وجودًا وعدمًا، ولطبيعة الانتماء حين يُختبر خارج منطق المنصب وحسابات الزعامة.
قرار الدكتور ياسر حسان بالانسحاب جاء فعلًا واعيًا، لا ارتباكًا ولا تراجعًا، صدر عن فهمٍ ناضج لطبيعة العمل الحزبي، وعن إدراكٍ عميق بأن المواقع لا تُنشئ القيمة، وأن الوفد، في جوهره، لم يكن يومًا حزب كراسٍ بل حزب أدوار. انسحابٌ هادئ، نظيف، أعاد ترتيب الأولويات، وانحاز للفكرة قبل الاسم، وللمعنى قبل الموقع.
على الجانب الآخر، حمل انسحاب الأستاذ بهاء أبو شقة دلالات مغايرة تمامًا. لم تكن المشكلة في الانسحاب ذاته، قدر ما كانت في الترشح ذاته لرجل في هذا السن، كان أداؤه من أسوأ التجارب التي مرّت على رئاسة الوفد.
بل ربما كانت المشكلة الأكبر في هذا الانسحاب كونه انسحابًا مشفوعًا باستقالة، وكأن الرسالة الضمنية تقول بلا مواربة: إمّا الرئاسة… أو المغادرة، وهدم المعبد. وهنا تتكشف العلاقة المشروطة، ويظهر أن تصحيح الخطأ بخطوة تبدو ظاهريًا صحيحة لم يكن مراجعة صادقة، بل انتقالًا من خطأ إلى خطيئة.
البيان الذي صدر بدا منضبطًا فقط في لغته، مثقلًا بالمصطلحات القانونية، لكنه كشف تناقضًا جوهريًا. تحدّث عن بطلان محتمل، وعن إجراءات ناقصة، وعن كشوف لم تُعلن في توقيتها، لكن كل ذلك طُرح بعد الترشح لا قبله. وبعد اكتشاف أن اللجان النوعية التي شُكّلت أثناء رئاسته الحزب من «طاولات حديقة نادي الصيد» لم يعد لها وجود، لم تكن الشرعية مانعًا له من خوض السباق، بل تحوّلت لاحقًا إلى مبرر للانسحاب. والشرعية، في العمل العام، لا تُستدعى عند توقع الخسارة، ولا تُستخدم كمظلّة خروج.
الأخطر من ذلك، الخلط المتعمد بين حق الانسحاب من سباق انتخابي، وبين قرار الاستقالة من الحزب. فالوفد لم يكن يومًا كيانًا يُغادره من لم يفز، ولا حزبًا تُربط العضوية فيه بالموقع. فمن خسر وبقي صنع التاريخ، ومن ربط البقاء بالزعامة كشف أن الانتماء لم يكن حقيقيًا، بل رهين الكرسي.
ثم جاءت الكارثة والفضيحة في الإشارة إلى اللجوء للجنة شؤون الأحزاب، لتضع المسألة في إطارها الأخطر.
فهذا المسار، مهما غُلّف بلغة القانون، يظل في السياق الوفدي سلوكًا مرفوضًا، لأنه كسرٌ لاستقلال البيت من داخله، وتسليمٌ لمصيره إلى الخارج.
تاريخ الوفد، في أقسى لحظاته، لم يعرف وفديًا حقيقيًا استقوى على حزبه، أو قبل أن تتحول خلافاته الداخلية إلى ملف إداري تحت رحمة الأجهزة.
والتجربة هنا ليست تنظيرًا مني، بل واقعًا عاشه كثيرون. حين وقع الاستبعاد لي من الحزب بعد وفاة فؤاد باشا عام 2000، بقرار يخالف اللائحة والمنطق، كان اللجوء إلى لجنة شؤون الأحزاب طريقًا مطروحًا، لكني رفضت مثل هذه الحماقة لأنها تتناقض مع جوهر الفكرة. فمن يؤمن بالحزب لا يُسلّمه للدولة، ومن يختلف معه لا يستدعي عليه الأجهزة الحكومية.
أذكر حين طُرح عليّ كمال الشاذلي يومًا التفكير في الاستيلاء على الوفد بما له من تاريخ ومقرات وأموال، بديلًا عن تأسيس الغد، كان الرد رفضًا وتحذيرًا، أبلغته لسكرتير عام الوفد وقتها الدكتور السيد البدوي، لأن هناك فرقًا بين من يرى الحزب غنيمة، ومن يراه أمانة.
ما يجري اليوم يُعيد إلى الذاكرة قصة القاضي الذي هدّد بتقسيم الطفل بين امرأتين، فصرخت إحداهما رافضة. الأم الحقيقية لا تقبل بتقطيع أوصال ابنها، والوفدي الحقيقي لا يقبل بتهديد حزبه أو التلويح بتسليمه لغير أهله.
الوفد لا يُستخدم كورقة ضغط، ولا يُساوَم عليه بالخروج.
ويبلغ التناقض ذروته حين يُستدعى اسم فؤاد سراج الدين في بيان أبو شقة كمرجعية أخلاقية وتاريخية، وهو في الغالب لم يلتقه. فالتاريخ لا يُستعار في غفلة، والرموز لا تُستدعى لتغطية فراغ الموقف.
الوفدية ليست اقتباسًا من الماضي، بل سلوكًا في الحاضر، ومن عاش الروح والحقيقة لا يحتاج إلى التلويح بالاسم.
ما فعله ياسر حسان كان موقفًا واضحًا بلا ضجيج. وما فعله بهاء أبو شقة كان مكاشفة غير موفّقة، كشفت أن العلاقة بالوفد كانت مشروطة بالموقع لا بالفكرة. والوفد، كما كان دائمًا، لا يحيا بمن يخرج غاضبًا، بل بمن يبقى مؤمنًا، حتى وهو خارج كل المواقع، أو حتي خارج الحزب كله







