
لم يعد المشهد القائم بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، مجرد فصل مكرر من «حرب التصريحات» المعتادة، أو جولة إضافية في لعبة شدّ الحبال الدبلوماسية. نحن اليوم أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها نزعات الهيمنة مع هشاشة النظام الدولي، وتتشابك فيها الحسابات الانتخابية والشخصية مع رهانات استراتيجية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
عودة دونالد ترامب بعقيدة «الضغط الأقصى» المنتشية بما تعتبره واشنطن انتصارات سهلة، تتلاقى مع إصرار بنيامين نتنياهو على استثمار هذه اللحظة التاريخية لتصفية حسابات مؤجلة، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني.
إن قراءة هذا المشهد المعقد تتطلب قدرًا عاليًا من الانضباط التحليلي، بعيدًا عن العواطف أو الشماتة السياسية. فالواقع يقول إن إيران تواجه لحظة حرجة تتداخل فيها أزمات الداخل الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، مع تهديدات وجودية من الخارج.
ورغم المؤشرات الواضحة على تململ الشارع الإيراني نتيجة تآكل القدرة الشرائية وضغوط العقوبات، إلا أن الرهان الغربي–الإسرائيلي على «انهيار تلقائي سريع» للنظام يبدو قفزًا فوق حقائق التاريخ والجغرافيا.
فالدولة الإيرانية ليست كيانًا طارئًا؛ بل تمتلك مؤسسات أمنية وعقائدية عميقة، صُممت خصيصًا لامتصاص الصدمات الكبرى، وهي ليست بذلك الهدف الهش الذي يمكن إسقاطه بمجرد «دعم خارجي» للاحتجاجات، لا سيما في ظل وجود حلفاء دوليين كبار كروسيا والصين، اللتين لن تقبلا بسهولة بانهيار حليف استراتيجي في منطقة شديدة الحساسية.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الداخل الإيراني وحده، بل في نوايا التحالف الأمريكي–الإسرائيلي المتجدد. ما نراه اليوم هو ملامح «عربدة» سياسية وعسكرية، حيث يسعى نتنياهو إلى جرّ المنطقة نحو مواجهة شاملة تخدم أجندته في تحطيم القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، حتى لو كان الثمن إشعال الإقليم بأكمله. في المقابل، يبحث ترامب عن «نصر استراتيجي» بأقل كلفة ممكنة، مفضّلًا سيناريوهات «حرب الظلال»، والهجمات السيبرانية، والضربات الجوية المحدودة، مع تجنّب الغزو البري الذي أثبتت تجارب العراق وأفغانستان أنه طريق مضمون إلى المستنقعات المفتوحة.
غير أن هذه الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، المنهمكة في سؤال «كيف نُسقط الخصم؟»، تتجاهل عن عمد أو غباء فاتورة «اليوم التالي». فسيناريو انهيار الدولة في إيران – لا قدّر الله – لن يفتح باب «الديمقراطية الموعودة»، بل سيطلق العنان لأشد كوابيس المنطقة رعبًا: فراغ استراتيجي هائل، فوضى أمنية، ملايين اللاجئين، وسلاح منفلت قد يعبر الحدود بلا ضوابط، من الخليج إلى المتوسط، ومن القوقاز إلى آسيا الوسطى. إنها وصفة جاهزة لتفكيك ما تبقى من استقرار إقليمي هش.
وهنا يبرز بُعدٌ آخر لا يقل خطورة، يتمثل في موقف القوى الإقليمية الصاعدة التي لن تقف متفرجة على انهيار توازن بحجم إيران. فتركيا، على سبيل المثال، التي راكمت خلال العقدين الماضيين خبرة عميقة في إدارة الأزمات الإقليمية، تدرك أن أي فراغ استراتيجي في إيران سيعني تمدد الفوضى نحو حدودها الشرقية، وفتح ساحات صراع جديدة لا يمكن ضبطها بسهولة.
وبالمثل، فإن دول آسيا الوسطى والقوقاز ستجد نفسها أمام ارتدادات أمنية وقومية معقّدة، ما يجعل سيناريو الانهيار الإيراني تهديدًا عابرًا للحدود، لا يمكن احتواؤه داخل الجغرافيا الإيرانية وحدها.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال خيارات طهران نفسها. فإيران ليست مجرد متلقٍّ للضربات، بل لاعب يمتلك أدوات رد متعددة، من ضبط النفس الاستراتيجي، إلى التصعيد المحسوب عبر الحلفاء، وصولًا إلى كسر القواعد إذا ما شعرت بأن وجودها مهدد. هذا يعني أن أي ضربة «محدودة» قد لا تبقى محدودة طويلًا، وأن حسابات الردع قد تنزلق بسرعة إلى دوامة تصعيد لا يملك أحد مفاتيح إيقافها.
أما المنطقة العربية، وخاصة دول الخليج التي تتبنى اليوم سياسات عقلانية قائمة على التهدئة وتصفير المشكلات، فهي تدرك جيدًا أنها ستكون أول المتضررين من أي حريق كبير يندلع على الضفة الأخرى من الخليج.
فأي مواجهة شاملة تعني تهديد أمن الطاقة، وضرب مشاريع التنمية الطموحة، وتعريض الاستقرار الإقليمي برمته للاهتزاز. ومع ذلك، فإن الخطر لا يقتصر على القرار السياسي وحده، بل يمتد إلى الرأي العام العربي، الذي تُسَوَّق له – عبر حملات إعلامية مكثفة – أوهام «الضربة النظيفة» و«الحرب السريعة»، دون أي حديث جاد عن الكلفة الحقيقية التي ستدفعها شعوب المنطقة.
لذلك، فإن النظر إلى ما يجري في إيران بعين الشماتة، أو تمني الضربة العسكرية الخارجية، لا يمثل فقط قصر نظر سياسي، بل انتحارًا استراتيجيًا مؤجلًا. فالمنطقة بأكملها اليوم موضوعة تحت سكين العجرفة الأمريكية والمغامرات الإسرائيلية غير المحسوبة، حيث لا تُدار الصراعات بمنطق الاستقرار، بل بمنطق الاستفراد وكسر الإرادات.
وهنا يستعيد التاريخ صوته محذرًا. حين قال المعتمد بن عباد: «لأن أرى الإبل في عدوة المغرب خير من رعي الخنازير عند ألفونسو»، لم يكن يطلق عبارة شعرية، بل كان يعبّر عن وعيٍّ مبكر بحقيقة واحدة: الاستقواء بالعدو الخارجي ضد الخصم الداخلي هو طريق مضمون إلى الهلاك. واليوم، يتكرر المشهد بصيغة أكثر حداثة وخطورة. فالجميع مستهدف، بلا استثناء. وإيران، مهما اختلفنا معها، لن تكون النهاية، بل قد تكون البداية.
إن درس «الثور الأبيض» لا يزال صالحًا، وربما أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالسماح باستفراد قوى الهيمنة بأي دولة في الإقليم، تحت أي ذريعة، هو تمهيد منطقي لاستباحة البقية لاحقًا. والمصلحة الحقيقية لشعوب المنطقة لا تكمن في التصفيق لمن يحمل عود الثقاب، بل في نزع فتيل الانفجار قبل أن يتحول الحريق إلى قدرٍ لا ينجو منه أحد.







