مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب : عرقلة الممرات الإنسانية ومنع خروج المدنيين: قراءة قانونية في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني

في النزاعات المسلحة المعاصرة، يتصدر حماية المدنيين ومساعدتهم السلمية أولويات القانون الدولي الإنساني (International Humanitarian Law – IHL)، الذي يشكل الإطار القانوني الملزم لجميع أطراف النزاع — دولًا وأطرافًا غير حكومية. هذا القانون، الذي تأسس على اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، يضع قواعد صارمة لحماية السكان المدنيين من آثار الحرب ويقيّد الخيارات التكتيكية التي يمكن أن تتخذها القوات المتحاربة. 

حماية المدنيين في القانون الدولي الإنساني

ينص القانون الدولي الإنساني صراحةً على أن المدنيين — أي الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية . يجب أن يُعاملوا بحماية كاملة من آثار النزاع. ويتطلب هذا القانون تمييزًا دائمًا بين المقاتلين والمدنيين، كما يلزم الأطراف بتمييز الأهداف العسكرية عن المدنيين أو ممتلكاتهم، وتوجيه العمليات العسكرية فقط نحو أهداف ذات طابع عسكري.

الاتفاقيات الأربعة لجنيف لعام 1949، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، تكرّس حماية المدنيين في النزاعات المسلحة وتفرض على جميع أطراف النزاع احترام هذه الحماية في كل الظروف. 

عرقلة الممرات الإنسانية ومنع الخروج: مخالفات خطيرة

تحظر قواعد القانون الدولي الإنساني بشكل واضح منع الوصول الإنساني إلى المدنيين، سواء كان ذلك عبر منع وصول الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية أو عبر منع خروج المدنيين من مناطق القتال باستخدام ممرات آمنة. التشريعات الدولية تفرض واجبًا على الأطراف بالسماح والتحقيق في مرور المساعدات الإنسانية دون تعسف، وتسهيل وصول الإغاثة إلى الأشخاص الذين هم في حاجة إليها. 

وفقًا للمبادئ الدولية، فإن حرمان السكان المدنيين من الممرات الإنسانية أو إجبارهم على البقاء في مناطق الصراع، خاصة إذا تعرضوا لخطر مباشر نتيجة لذلك، يعتبر انتهاكًا صريحًا لهذه القواعد، ويمكن أن يرتقي إلى مستوى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية عندما يشكل جزءًا من سياسة متعمدة. عندما يُمنع المدنيون من الخروج من مناطق الخطر بهدف استخدام وجودهم كعوائق أمام العمليات العسكرية، يدخل ذلك في نطاق ما يُعرف باستخدام المدنيين كدروع بشرية — وهو سلوك محظور ويعد جريمة حرب أيضًا بموجب القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 

تطبيقات المحكمة الجنائية الدولية ومسؤولية الأفراد

النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي يعرّف بوضوح أفعالًا يمكن أن تُعد جرائم حرب عندما تكون هناك نية متعمدة لارتكابها كجزء من سياسة أو خطة واسعة، بما في ذلك حرمان السكان المدنيين من الحماية أو المساعدة الأساسية. في حالات مماثلة حول العالم — كمنع دخول المساعدات الإنسانية أو استخدام المدنيين كدروع بشرية — أكدت الأمم المتحدة والأطر القانونية الدولية أن مثل هذه السلوكيات يمكن أن تُجرم ويُحاسب مرتكبوها أمام هيئات قضائية دولية أو وطنية ذات اختصاص. 

مثال تطبيقي: سياقات عرقلة الممرات الإنسانية

في سياقات النزاع السوري، وردت تقارير عن حالات يُزعم فيها منع المدنيين من الوصول إلى الممرات الإنسانية أو مغادرة مناطق الخطر تحت سيطرة بعض الجهات الفاعلة، من بينها قيادات القوات المدعوة بقوات سوريا الديمقراطية. هذه الممارسات — إذا ما ثبتت بما يتجاوز الشهادات البداية — يمكن أن تُعد انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، وقد تُعدّ جريمة حرب أو جزءًا من جريمة ضد الإنسانية عندما تصبح جزءًا من سياسة منهجية تهدف إلى حرمان المدنيين من الحماية أو وسائل النجاة. 

ولا يمكن النظر إلى مثل هذه السلوكيات باعتبارها مجرد أخطاء تكتيكية؛ إذ أنه وفق مبادئ القانون الدولي، تُعدّ المسؤولية الجنائية قائمة على الأفعال والنية، خاصة عندما تكون هناك أدلة على أن هذه الأفعال كانت مقصودة ومنسقة بشكل منهجي. 

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى