شباك نورمقالات وآراءوجوه نسائية لا تغيب

د. أيمن نور يكتب: وجوه نسائية لا تغيب . صفية زغلول… قلب حمل وطن

كان البيت يبدو ساكنًا من الخارج، لكن داخله كان يموج بحكايات لا تنام. خطواتٌ تأتي وتذهب، رسائل تُطوى وتُفتح، وقلقٌ يعرف طريقه إلى الجدران. لم تكن صفية زغلول تبحث عن دورٍ عام، لكن الدور وجدها حين صار الوطن أثقل من أن يُحمَل وحده، وحين صار البيت — بلا قرارٍ مُسبق — ساحة السياسة الأكثر أمانًا والأشد خطورة.

وُلدت صفية زغلول عام 1876 في بيتٍ أرستقراطيٍّ يعرف التقاليد ويُجيد حساب الخطوات. كان الصمت المنضبط فضيلة، وكانت المرأة تُربّى على أن تكون خلف المشهد لا في قلبه. غير أن القدر كان يُعدّ لها مسارًا آخر، مسارًا لا يترك مساحة للصمت طويلًا، ولا يسمح بالاختباء حين تُطرق أبواب التاريخ.

حين تزوّجت من سعد زغلول، لم تكن تعلم أنها تتزوّج قضية قبل أن تتزوّج رجلًا. سعد لم يكن زوجًا تقليديًا، ولا حياة السياسة تعرف الاستقرار. منذ السنوات الأولى، تعلّمت صفية معنى الغياب، ومعنى أن يعود الرجل محمّلًا بهمّ الوطن أكثر مما يحمل همّ البيت. كانت الغيرة شعورًا إنسانيًا طبيعيًا، لكنها أخفته خلف واجبٍ أكبر، واجبٍ لا يسمح بالترف العاطفي.

جاءت لحظة النفي، فانكشفت الحدود بين الخاص والعام. خرج سعد إلى المنفى، وبقيت صفية وحدها أمام بيتٍ صار عنوانًا للمقاومة. في تلك اللحظة، لم يعد البيت مكانًا للراحة، بل وطنًا مصغّرًا تُدار فيه المعركة بهدوء، وتُحفظ فيه الذاكرة من التشتّت. فتحت الأبواب، لا طلبًا للظهور، بل لأن الغلق صار خيانة للناس الذين يبحثون عن ملاذ.

استقبلت الوفود، وسمعت الشكاوى، واحتملت الغضب والدموع، وأدارت الحوار بحكمة امرأة تعرف أن الكلمة غير المحسوبة قد تُشعل حريقًا. لم تكن خطيبة، لكنها كانت مُطمئنة. لم تكن تصرخ، لكنها كانت تُثبّت. كانت تعرف أن السياسة — حين تُدار من داخل البيت — تحتاج صبرًا أطول، وقلبًا أوسع.

عاشت صفية التناقض الأصعب: أن تحب رجلًا صار ملكًا للأمة، وأن تكون زوجةً لزعيمٍ لا يعود إليها كاملًا. الوحدة كانت ثقيلة، لكنها حوّلتها إلى عمل. كانت تعرف أن التاريخ لا ينتظر من ينهار، وأن الوطن — حين يطرق الباب — لا يقبل الأعذار.

حين عاد سعد من المنفى، عاد إلى بيتٍ تغيّر. لم يعد بيتًا خاصًا، بل بيتًا تعلّم السياسة، وتعلّمت صاحبته كيف تُدير الوطن من الداخل. لم تطلب صفية مقابلًا، ولم تُسجّل موقفًا، ولم تكتب مذكرات. تركت فعلها يتكلم عنها، كأنها تعرف أن الضجيج لا يليق بكل البطولات.

بعد رحيل سعد زغلول عام 1927، لم تنتهِ الحكاية. بقي البيت مفتوحًا، وبقي الاسم حاضرًا، وبقيت صفية حارسة الذاكرة. لم تُحوّل الإرث إلى تجارة، ولم تسمح بأن يُختزل الرجل في صورة، ولا أن تُختزل هي في لقب. كانت ترى أن الوفاء الحقيقي ليس في التكرار، بل في الصيانة الهادئة للمعنى.

في حياتها الخاصة، دفعت صفية ثمن هذا الدور. لم تعش حياة زوجية مستقرة كما تعيشها النساء بعيدًا عن السياسة. كانت تعرف أن التضحية لا تُصفّق لها دائمًا، وأن المرأة التي تختار الواجب قد تخسر شيئًا من دفء الحياة. لكنها لم تُساوم، ولم تُحوّل الألم إلى شكوى.

أحبّها الناس بوصفها “أم المصريين”، لكنهم نسوا أحيانًا أنها امرأة لها قلبٌ يتعب. غير أن صفية لم تطلب اعترافًا شخصيًا. كانت تؤمن أن الوطن الذي تحمله بين جدران البيت يستحق أن يُقدَّم له القلب كاملًا، حتى وإن بقي الوجع بلا اسم.

رحلت صفية زغلول عام 1946، بهدوءٍ يشبه طريقتها في الحياة. لم تترك وراءها خطبًا، لكنها تركت نموذجًا نادرًا لبطولة لا تُرى. بطولة تُقاس بقدرة البيت على الصمود، وبقدرة المرأة على أن تكون سندًا حين يغيب السند.

ليست كل المعارك في الشارع، وليست كل البطولات على المنصّات. بعض النساء يصنعن التاريخ لأنهنّ عرفن كيف يحملن الوطن في القلب، وكيف يُبقينه حيًا حين تتكسّر الرايات في الخارج.

هكذا بقيت صفية زغلول وجهًا لا يغيب، لا لأنها هتفت، بل لأنها صبرت، وحملت، وحفظت المعنى من الانهيار، وتركت لنا درسًا بسيطًا وعميقًا: أن الوطن أحيانًا يحتاج قلبًا ثابتًا أكثر مما يحتاج هتافًا عاليًا

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى