حسن نافعه يكتب : هل ترضخ إيران للغطرسة الأميركية أم تنجح في كسرها؟

ليس الصراع المشتعل حالياً بين إيران والولايات المتحدة وليد اليوم، وإنما بدأ مع اندلاع الثورة الإيرانية منذ ما يقارب نصف قرن. ولأن جذوره عميقة ولا تتعلّق ببرنامج إيران النووي أو ببرنامجها الصاروخي أو بنفوذها الإقليمي، فحسب، كما قد يعتقد بعضهم (لم يكن لدى إيران شيءٌ من ذلك كلّه وقت اندلاع الثورة)، فقد راح هذا الصراع يتصاعد ويزداد تعقيداً بمرور الوقت.
ولأن النظام السياسي الجديد، الذي تمكّن من إطاحة نظام الشاه، الذي كان أهم حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كان يتطلّع إلى بناء دولة قوية متحرّرة من علاقات التبعية لأيّ من الدول المتنافسة على قيادة النظام الدولي، ويطمح في الوقت نفسه إلى بناء نموذج تنموي يعتمد على الذات ويستمدّ مقوّماته من خصوصيته الثقافية والحضارية، في وقت كانت الولايات المتحدة تبدو مصرّةً على استعادة نفوذها القديم في إيران، فقد كان من الصعب تجنّب الصدام بين الطرفَين.
يعتقد بعضهم أن الرؤية الإسلامية المتشدّدة التي تبنّاها النظام الإيراني الجديد هي التي تسبّبت في تفجير الصراع، غير أن التاريخ يدحض هذه المقولة، ويؤكّد أن الشهوة التدخّلية للولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى كانت هي المسؤولة عن تفجير معظم الصراعات في المنطقة.
فقبل اندلاع الثورة الإسلامية، دخلت الولايات المتحدة في صدام مباشر مع حكومة محمّد مصدّق في إيران، رغم توجّه تلك الحكومة الوطني الليبرالي، ومع نظام جمال عبد الناصر في مصر، رغم توجّهه القومي العروبي، ومع غيرهما من الأنظمة ذات التوجّه الاستقلالي في المنطقة. وكانت الرغبة في الهيمنة على منابع النفط وحماية إسرائيل سبب الصدام في معظم الأحوال.
التفاهمُ بين واشنطن وطهران ممكنٌ لولا دخول إسرائيل الدائم في خطّ العلاقات الأميركية – الإيرانية
يلفت الانتباه هنا أن خشية الثوار الإيرانيين من احتمال تكرار سيناريو ما حدث أيام مصدّق (حين دبّرت وكالة المخابرات المركزية الأميركية انقلاباً ضدّ حكومة مصدّق وإعادة الشاه الهارب إلى السلطة) كانت السبب المباشر في أول احتكاك للثورة مع الإدارة الأميركية.
كما أن خشية النظام الإيراني الجديد من الأنشطة التخريبية المحتملة لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كانت من بين أهم الدوافع التي حدت به إلى اتخاذ قرار بإغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران، وتسليم مقرّها إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ما يعكس الإدراك المبكّر بأن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من أكبر أعداء الثورة الإيرانية وأصحاب المصلحة الرئيسة في تصفيتها.
لم يكن العثور على أرضية مشتركة للتفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مستبعداً لو كانت قرارات واشنطن تجاه إيران تُتخذ وفق معطيات تمليها المصالح الأميركية وحدها، غير أن الدخول الدائم لإسرائيل في خطّ العلاقات الأميركية – الإيرانية (أحد أهم العوامل المحدّدة لشكل هذه العلاقات ومضمونها) لعب دوراً محورياً في توتيرها ودفعها نحو الصدام المباشر.
ولأن إسرائيل كانت ترى في كل نزعة استقلالية في المنطقة خطراً مباشراً على أمنها، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بدولة في حجم إيران، فقد سعت دوماً لجرّ الولايات المتحدة إلى الدخول في صدام مباشر معها حين تفشل المحاولات الرامية لاحتوائها (ومن المفيد هنا التذكير بعملية إيران – كونترا التي لعبت فيها إسرائيل دوراً محورياً).
صحيحٌ أن جميع الرؤساء الأميركيين، الجمهوريون منهم والديمقراطيون، حرصوا دوماً على ضمان تفوّق إسرائيل على جميع دول المنطقة مجتمعة، لكن مواقفهم تباينت حين تعيّن عليهم أن يفاضلوا بين المصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية. فرغم حرص معظمهم على الترجيح النسبي لكفّة المصالح الأميركية على كفّة الإسرائيلية،
حين تعيّن عليهم اتخاذ قرارات تخصّ العلاقات الأميركية– الإيرانية، يمكن القول إن الرئيس أوباما شكّل استثناء لافتاً في هذا السياق؛ لأنه الوحيد من بين الرؤساء الأميركيين الذي ملك من الشجاعة ما يكفي للتوقيع عام 2015 على اتفاق حول برنامج إيران النووي، على الرغم من رفض إسرائيل الصريح والعلني له ومهاجمته بقسوة شديدة، حتى في محافل ومؤسّسات صنع القرار الأميركي نفسها.
من السابق لأوانه الادّعاء بأن محور المقاومة هُزم وأنه يوشك على الاستسلام
وفي عهد ترامب، أخذت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية مساراً معاكساً رجحت فيه كفّة المصالح الإسرائيلية على كفّة المصالح الأميركية، سواء خلال فترة ولايته الأولى أو الثانية، رغم أنه الوحيد الذي رفع شعار “أميركا أولاً”، وهنا المفارقة الكبرى. ففي فترة ولايته الأولى نجح نتنياهو في إقناع ترامب بالانسحاب أحادي الجانب من الاتفاق النووي، ثم حاول جرّه إلى توجيه ضربة عسكرية مباشرة للمنشآت النووية الإيرانية، وحين فشل نجح في إقناعه بإعادة العقوبات التي كانت قد رُفعت جزئياً، ثم بتشديدها من خلال “نهج العقوبات القصوى”.
وحاول بايدن العودة إلى الاتفاق النووي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نهاية عام 2020، وأجرى بالفعل عدّة جولات من المفاوضات لهذا الغرض، لكن نتنياهو نجح في إفشالها. ولم يتردّد الأخير في دعم ترامب علناً في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نهاية 2024، وحين فاز بولاية ثانية أصبحت الطريق ممهّدةً تماماً لجرّه إلى المشاركة في توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران، وهو ما جرى فعلاً في حرب ال12 يوماً التي شُنّت بتنسيق أميركي – إسرائيلي مشترك في صيف العام الماضي (2025).
صحيحٌ أن نتنياهو كان يأمل أن تنتهي هذه الحرب بإسقاط النظام الإيراني، أو في أسوأ الحالات بإجباره على الانصياع للمطالب الأميركية– الإسرائيلية كاملة، وهو ما لم يحدث، لكنّه لم ييأس بعد، خصوصاً أن ترامب ما زال أمامه ثلاث سنوات متبقّية في ولايته يمكن أن تحدث خلالها مفاجآت كثيرة.
لا جدال في أن تراكم الآثار الناجمة من العقوبات التي فُرضت على إيران، خصوصاً بعد عودة نهج “العقوبات القصوى” وتفعيل “آلية الزناد”، أسهم في تفجير موجة الاحتجاجات الأخيرة منذ نحو ثلاثة أسابيع، التي انطلقت من البازار الإيراني نفسه.
غير أن أعمال الشغب والعنف التي تفجّرت خلالها، وأدّت إلى سقوط عدّة مئات من الضحايا، تقطع بوجود أصابع خفية تشارك في تأجيجها، ما يفسّر تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أخيراً، إن “ما جرى لإيران من 8 إلى 11 يناير/ كانون الثاني الجاري لم يكن سوى امتداد لحرب الاثني عشر يوماً التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل منتصف العام الماضي”، وهو اتهام مباشر وصريح لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما ما زالتا تمارسان الحرب على إيران، ولكن بوسائل أخرى. فإذا ما ربطنا بين هذه التصريحات، وتصريحات أخرى كان ترامب قد أدلى بها من قبل وحرّض فيها المتظاهرين على الاستيلاء على المؤسسات الحكومية في إيران، تولّد لدينا ما يشبه اليقين بأن ترامب ونتنياهو اتخذا قراراً مشتركاً ببدء العمل معاً، وبالتنسيق المشترك لتغيير النظام في إيران.
وقد أصدر ترامب منذ أيام قليلة أوامره بالفعل لعدد من القطع البحرية الهجومية للتوجّه نحو منطقة الخليج، ما يوحي بأن التحرّكات التي تستهدف تغيير النظام الإيراني قد لا تقتصر بالضرورة على تأليب الجبهة الداخلية أو القيام بهجمات سيبرانية على بعض المنشآت الحيوية، وإنما قد تشمل أيضاً توجيه ضربات عسكرية أميركية منفردة أو أميركية – إسرائيلية منسّقة.
لا يستطيع أحد إنكار أن التحالف الأميركي – الإسرائيلي تمكن من توجيه ضربات موجعة لمحور المقاومة في المنطقة ككل
في سياق ما تقدّم، يمكن القول إن ساعة الحسم في المنطقة تقترب بأسرع ممّا كان متوقعاً. فليس من المستبعد أن يكون نتنياهو قد نجح في إقناع ترامب بأن “النصر المطلق” الذي يصرّ على تحقيقه في المنطقة بات قاب قوسين أو أدنى، وأنه (نتنياهو) لا يطمع في أن يُنسب إليه وحده هذا الإنجاز العظيم الذي ما كان ليتحقق لولا الإسهام الكبير الذي قدّمه ترامب؛ ومن ثم فقد بات عليهما أن يكملا المشوار الذي بدآه معاً.
وإذا صحّ هذا الاستنتاج، فربما يوافق ترامب على توجيه ضربة حاسمة وسريعة إلى إيران، خصوصاً إذا نجحت القيادات العسكرية الأميركية في إقناعه بأنها ستشكّل “الضربة القاضية” التي تنهي وجود النظام الإيراني مرّة واحدة وإلى الأبد. وأيّاً كان الأمر، ولأن نتنياهو يستميت في محاولاته الرامية للفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة التي ستتمّ في نهاية هذا العام وإلا ضاع مستقبله السياسي، وربما زُجّ به في غياهب السجن، يبدو أن الأسابيع والشهور المقبلة ستشهد تطوّرات شديدة الخطورة بالنسبة إلى مستقبل المنطقة.
لا يستطيع أحد إنكار أن التحالف الأميركي – الإسرائيلي تمكن من توجيه ضربات موجعة لمحور المقاومة في المنطقة ككل. ولأن إيران، التي تقود هذا المحور، أصبحت تقف الآن وحيدةً في مواجهة مشروع صهيوني يستميت للهيمنة على المنطقة، ويعتقد أنه اقترب كثيراً من الفوز بالجائزة الكبرى، فقد أصبح مصير المنطقة كلّها معلّقاً على ما سيحدث خلال الأسابيع والشهور القليلة المقبلة. ومع ذلك، فمن السابق لأوانه الادّعاء بأن محور المقاومة هُزم وأنه يوشك على الاستسلام.
صحيح أن جسد محور المقاومة يبدو منهكاً من شدّة الضربات التي وجّهت له من جانب التحالف الأميركي – الإسرائيلي، أو بالأحرى “تحالف ترامب – نتنياهو”، لكنّ إرادة الصمود حيّةٌ لم تُكسر أو تستسلم بعد. فإذا تمكّنت إيران من التصدّي للضربة المحتملة التي قد تكون وشيكةً، ثم الردّ عليها بضربة وازنة، أو تمكّنت من ردعها والحيلولة دون وقوعها أصلاً، فستنجح في كسر وتعرية الغطرسة الأميركية، وسيكون ذلك إيذاناً بأن المشروع الصهيوني (ثبت بما لا يدع مجالاً لأيّ شكّ أنه لا يستطيع البقاء من دون آلة الحرب الأميركية) قد بدأ بالأفول. وهذا هو الأمل الذي بات يتطلّع إليه أحرار العالم كلّهم.







