د. أيمن نور يكتب: حكاية صورة… رسالة إلى أبو شقة

ليست كل الصور سواء…
بعضها يُلتقط للذكرى،
وبعضها يُلتقط للتاريخ،
وقليلٌ منها يُكتب على ظهره ما يكفي لإسكات أي جدل.
هذه صورة الهيئة الوفدية سنة 1924،
إحدى أندر صور الوفد في لحظة التكوين الحقيقي،
ومحفوظة لدي،
وكانت من أندر المقتنايات في أرشيف مؤسسة دار الهلال،
وعلى ظهرها ختم الدار،
وبيانات التوثيق،
وتاريخها مكتوب بخط اليد،
مثل قرارات الفصل التي أصدرتها في عهد رئاستك للوفد.
في صدر الصورة يقف سعد زغلول،
لا بوصفه زعيم حزب،
بل بوصفه عنوان لحظة وطنية كاملة،
لحظة كانت فيها السياسة فعل تضحية،
لا إدارة غضب.
وإلى جواره مصطفى النحاس،
الرجل الذي فهم مبكرًا أن الوفد
ليس هتافًا في الشارع، ولا نفاقًا في البرلمان،
ولا عنوانًا اجتماعيًا بنادي الصيد،
بل مؤسسة دستورية تعيش، وتخطئ، وتُحاسَب.
ويأتي بعدهما مكرم عبيد،
ضميرًا سياسيًا حاضرًا في الذاكرة
قبل أن يكون حاضرًا في الصورة،
واحدًا من الذين اختلفوا داخل الفكرة
لكنهم لم يكسروها.
ثم تتسع الدائرة لتضم وجوهًا صنعت المعنى لا الزينة الاجتماعية،
منهم حمد الباسل،
وغيره من رجالات الوفد والوجاهة الوطنية،
الذين لم يدخلوا السياسة عبر الصدفة،
ولا خرجوا منها عند أول خلاف،
ولا تعاملوا مع الحزب كمساحة علاقات أو قائمة ترشيحات مدفوعة أو عائلية.
هذه الوجوه همّ الهيئة الوفدية،
لم يجمعها طاولات التبرو، أو حديقة الشاي،
على صوت تطاير الأطباق وتعقّب الصيادين لها،
ولا مائدة عشاء في مطعم البرنس بإمبابة.
جمعها شيء واحد فقط:
الوفد بوصفه قضية وطن،
لا دفتر المسدد والمتبقي من أتعاب الموكلين.
على ظهر الصورة،
يأتي الختم شاهدًا لا يجادل:
مؤسسة دار الهلال – قسم التصوير/التوثيق،
والتاريخ مدوّن بخط اليد،
كما كانت تُدار الذاكرة الوطنية
قبل أن تتحول السياسة
إلى انفعالات، واستقالات غضب،
ومعارك مخجلة لأنها بلا معنى.
إلى الأستاذ بهاء أبو شقة،
هذه هي الهيئة الوفدية كما كانت:
موثّقة، مؤرخة، مختومة،
لا تقبل الإضافة بمزاج لجنة إدارية،
ولا الحذف بالضيق،
ولا الشكوى للجنة الأحزاب.
لم يكن أحد من هؤلاء
يبحث عن استعراض عضلاته القانونية،
ولا عن وفدية تُقاس بعدد العلاقات مع رموز السلطة،
ولا عن حضور باهت يسبق الموقف السياسي.
كانوا يعرفون أن الوفد
أكبر من الأشخاص،
وأبقى من الأسماء،
وأوسع من أي كشف
يُكتب أو يُلغى من دفتر
في لحظة غضب.
لهذا تُنشر هذه الصورة اليوم،
لا لتصفية حساب،
ولا لمقارنة أشخاص،
بل لمقارنة زمنٍ بزمن،
ومعنىً بمعنى.
فالتاريخ لا يُدار من بوابة لجنة وأد الأحزاب،
ولا يُراجع تحت ضغط الانفعال،
ولا يُختزل في استقالة.
كان الأفضل أن تُنسب بالسن أو بالحالة الصحية،
وليس بحالة عدم صحة وبطلان
مزعوم تستند إلى ما هو باطل.
إن دقّ مسامير في دفوع المحامي كشماعات للوصول إلى النقض
سلوك يليق بالمدافعين في قضايا المخدرات والقتل،
لكنه لا يليق برجل اعتلى مقعد سعد.
هذه ليست مجرد صورة قديمة…
فهذه وثيقة حيّة،
مُهداه لكل وفدي
سواء كان تحت لافتته
أو ينظر إليها
بألم.







