مقالات وآراء

صابر بن عامر يكتب: التوتر السعودي الإماراتي في اليمن: أي كلفة محتملة على ليبيا؟

في ليبيا، لا تُقاس التحولات الإقليمية بالبيانات وحدها، بل بما تغيّره في العقود والخدمات، وبما تفتحه أو تغلقه على الحدود الجنوبية، وبما يدفعه السوق من فاتورة شحن وتأمين. لذلك، حين يظهر تباعد سعودي–إماراتي في اليمن مطلع 2026، يصبح السؤال الليبي ليس ما حدث في عدن فقط، بل: هل تتبدل أولويات التمويل ومسارات اللوجستيات؟ هل تتأثر ترتيبات الأمن شرقًا؟ وهل تلتقط الكفرة والجنوب الإشارة قبل أن تصل إلى عناوين السياسة في طرابلس وبنغازي؟
لم يعد التباعد السعودي–الإماراتي في اليمن ملفًا يمنيًا صرفًا يمكن عزله عن خرائط الإقليم. فخلال الأيام الأولى من يناير 2026 ظهرت مؤشرات الخلاف في أدوات تشغيلية حساسة مثل حركة الطيران وإجراءات التفتيش وترتيبات الأمن في عدن، ثم تمددت إلى سجال سياسي حول المجلس الانتقالي الجنوبي وحدود نفوذ القوى المحلية المدعومة إقليميًا ومسارات الحركة عبر القرن الأفريقي. وفي بلد مثل ليبيا—لا تزال فيه الدولة منقسمة ومراكز القرار متعددة—لا تحتاج الارتدادات إلى صدام خليجي مباشر كي تُحدث أثرًا. يكفي أن تتغير أولويات التمويل، أو تُعاد هندسة مسارات اللوجستيات، أو تُشدَّد الرقابة على الممرات الحدودية، حتى تلتقط طرابلس وبنغازي والجنوب رجفة الإقليم.
هذه المادة تقارب سؤالًا واحدًا: كيف يمكن أن يظهر أثر التباعد السعودي–الإماراتي—إن ظهر—على ليبيا خلال 2026؟ ليس عبر الانطباع، بل عبر مؤشرات قابلة للرصد: مشاريع وخدمات طويلة الأمد، ترتيبات أمنية، جنوب مفتوح على حرب السودان، وممرات بحرية تنعكس على كلفة الاستيراد.
اليمن: عندما يصبح “التشغيل” علامة على تصدع سياسي
في 1 يناير 2026 توقفت حركة الطيران في مطار عدن وسط تضارب روايات حول قيود تشغيل الرحلات واشتراطات تفتيش مرتبطة بالمرور عبر السعودية، في لحظة كانت فيها الأزمة السياسية تتسارع جنوبًا. أهمية الحدث لا تتعلق بالطيران وحده، بل بدلالته السياسية: المطار هنا ليس خبرًا خدماتيًا، بل اختبار سيطرة ونفوذ وقرار.
لاحقًا، تصاعد الجدل حول وضع المجلس الانتقالي الجنوبي. وفي 10 يناير 2026 خرجت تظاهرات كبيرة في عدن دعمًا للمجلس ورافضة لروايات عن حلّه أو تفكيكه، ما أظهر أن الخلاف لم يعد محصورًا في غرف التفاوض، بل امتد إلى الشارع وتوازنات السيطرة. وبالتوازي، أعلنت السلطات الصومالية فتح تحقيق بشأن ما إذا كان مطار مقديشو قد استُخدم ضمن مسار سفر رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، عقب اتهامات من التحالف بقيادة السعودية بأن الزبيدي غادر اليمن بحرًا إلى أرض الصومال ثم تحرك جوًا عبر مقديشو قبل أن ينتهي المسار إلى مطار عسكري في أبوظبي.
بهذه المعاني، يصبح “التشغيل” (الطيران، التفتيش، الموانئ، الطرق) لغة سياسية قائمة بذاتها، لأن الصراع داخل التحالف يُقرأ أيضًا عبر من يملك صلاحية الإيقاف ومن يملك حق تشغيل الممرات
الرواية الإماراتية: تهدئة رسمية وحدود للاتهامات
على الضفة الأخرى، قدمت أبوظبي خطاب تهدئة ورفضت الاتهامات الواردة في بيانات سعودية. ففي نهاية ديسمبر 2025 أبدت الإمارات “أسفًا عميقًا” حيال بيان سعودي، واعتبرت أنه يتضمن “مغالطات جوهرية” بشأن دورها في التطورات اليمنية، مؤكدة رفضها أي محاولة لربطها بتوترات الأطراف اليمنية، مؤكدة رفضها أي محاولة لربطها بتوترات الأطراف اليمنية أو الادعاء بأنها وجهت أي طرف لعمليات تهدد أمن السعودية أو تستهدف حدودها. وفي أوائل يناير 2026، جدّد أنور قرقاش—المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات—لهجة التهدئة إعلاميًا عبر منشورات تؤكد “حكمة الدولة” و”انضباط المقاربة” حيال تطورات اليمن.
في الميزان الليبي، لا تُقرأ هذه التهدئة كفصل نهائي للخلاف، بل كجزء من إدارة الأزمة ومنعها من التحول إلى قطيعة مفتوحة؛ وهو ما يفسر لماذا قد تظهر الارتدادات—إن ظهرت—في مسارات تشغيل وتمويل ورقابة، لا في صدام معلن على الساحات.
واينر: اليمن خط تماس للسعودية… وليبيا ليست ساحة مرجحة لصدام خليجي
في مداخلة مكتوبة لموقع “ليبيا الأحرار”، يقدم جوناثان واينر، المبعوث الأمريكي السابق إلى ليبيا والزميل الدبلوماسي في Middle East Institute، قراءة تخفّض سقف التهويل. يرى واينر أن اليمن جار ملاصق للسعودية وليس للإمارات، وأن دعم الإمارات لقوى جنوبية ضد الحوثيين شيء، ودعم قوى تعمل قرب الحدود السعودية شيء آخر “يرفع الحساسية” ويستدعي خطوطًا حمراء.
ويضيف واينر أن الاستجابة الإماراتية المعتادة عندما تواجه خطوطًا حمراء من طرف لا ترغب في خسارته غالبًا ما تكون تقليل دلالة الخلاف علنًا والسعي لاحتوائه بخطاب تهدئة، حتى لو كانت التعديلات تكتيكية لا دائمة. وخلاصة تقديره أن التباعد أقرب للإدارة والاحتواء من أن يتحول إلى تمدد صراعي في ساحات متعددة.
وعن ليبيا تحديدًا، يقول واينر إنه لا يرى للسعودية رهانات وجودية كما في اليمن، وأن انخراطها حتى الآن يميل إلى دعم الوساطة والمسارات السياسية المدعومة دوليًا، مع احتمال توسع اقتصادي—خصوصًا في البنية التحتية للمياه—لكن في مرحلة مبكرة. ويقترح مؤشرًا عمليًا للربع الأول 2026: مراقبة ما إذا كان سيظهر نمط منتظم ومتكرر من اللقاءات بين مسؤولين سعوديين كبار أو جهات اقتصادية/عسكرية ذات صلة وبين حكومة الدبيبة أو محيط عائلة حفتر؛ استمرار النمط قد يعني بناء حضور سعودي مستقل كتحوط، حتى لو بقي أي تنافس ضمن نطاق “مُدار”.
أوصال: تباين “محوري” يتجاوز التكتيك… وأثره على ليبيا قد يكون سياسيًا ومعنويًا
في قراءة أكثر اتساعًا للإقليم، يرى أحمد أوصال، أستاذ علم الاجتماع بجامعة قطر، أن التباين السعودي–الإماراتي “محوري وعميق” ويتجاوز البعد التكتيكي، ويربطه بتعارض نماذج في المنطقة: نموذج يميل إلى الاستقرار والتنمية والتهدئة، مقابل نموذج يتهمه بدفع اتجاهات الانقسام وإضعاف الدولة في بعض الساحات.
بالنسبة لليبيا، لا يذهب أوصال إلى أن التأثير سيكون مباشرًا لأن ليبيا ليست أولوية سعودية أولى، لكنه يتوقع أثرًا سياسيًا ومعنويًا إذا انعكس التحول الإقليمي في شكل مواقف أقل تسامحًا مع مسارات الانقسام أو دعم شبكات تكرّس ازدواج المؤسسات. وظيفة هذه المقاربة أنها لا تبحث عن “نقطة واحدة” تفسر كل شيء، بل عن مزاج إقليمي ورسائل ضغط قد تُقرأ داخل ليبيا سريعًا لأن الدولة لا تزال بلا معيار موحد للقرار والتنفيذ.
طرابلس: اختبار “المياه” بين الإعلان والتنفيذ
في ديسمبر 2025 أعلنت وزارة الإسكان والتعمير توقيع مذكرتي تفاهم مع مجموعة “أميانتيت” السعودية وشركتها التابعة PWT الألمانية. وبحسب بيان الوزارة، تشمل المذكرات التعاون في حلول نقل وتوزيع المياه وشبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار، وإدخال تقنيات المعالجة والتحلية وتطوير الكوادر المحلية واستدامة المشاريع. كما تحدثت الوزارة عن لقاء لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مع وفد من المجموعة بحضور وزير الإسكان لبحث دفع التعاون وتعزيز فرص الاستثمار وتطوير مشاريع البنية التحتية.
تحليليًا، أهمية هذا الإعلان أنه يمثل نموذج “نفوذ منخفض الضجيج”: مشاريع خدمية طويلة الأمد تُنتج علاقات تشغيل (توريد، صيانة، تدريب، تمويل) يمكن أن تتحول إلى وزن سياسي في بيئة منقسمة إذا غابت قواعد موحدة للطرح والإسناد والرقابة. لذلك لا يكفي تسجيل الخبر؛ معيار القياس خلال 2026 يتلخص في

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى