
إعلان وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني عن إنجاز مسودة اتفاقية دفاعية مشتركة بين السعودية وتركيا وباكستان، بعد عام كامل من المفاوضات، لا يمكن التعامل معه كخبر عسكري تقني أو تفاهم ثنائي موسّع. نحن أمام لحظة سياسية–أمنية فارقة تشير إلى انتقال ثلاث قوى مركزية في العالم الإسلامي من منطق التنسيق الظرفي إلى هندسة محور استراتيجي متكامل.
عندما يجتمع الردع النووي الباكستاني، مع الصناعات الدفاعية التركية المتقدمة، ومع الوزن الاقتصادي والسياسي والطاقي للمملكة العربية السعودية، فإن الناتج ليس مجرد اتفاق دفاعي، بل بنية قوة قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي والدولي. هذا التلاقي يربط ثلاث دوائر جيوسياسية كبرى: الشرق الأوسط، شرق المتوسط، وجنوب آسيا، في إطار واحد.
هذا التحالف لا يولد في فراغ، بل في لحظة تفكك للنظام الإقليمي القديم، وتراجع فعلي في موثوقية المظلات الأمنية التقليدية، الأمريكية والروسية، وصعود منطق الاعتماد على الذات وبناء الردع الإقليمي المستقل. كما أنه يأتي في سياق اشتداد الصراعات غير المتناظرة، حيث لم تعد الحروب تُخاض بالجيوش النظامية فقط، بل عبر الوكلاء، والانقسامات الداخلية، والمشاريع الانفصالية.
في هذا السياق، يصبح التحالف الثلاثي ردًا مباشرًا وغير معلن على مشروع تفكيك المنطقة، الذي يُعاد إنتاجه اليوم بصيغة حديثة، تشبه سايكس–بيكو، ولكن بأدوات محلية وواجهات “سيادية”. جوهر هذا المشروع هو تحويل الدول المركزية إلى كيانات هشة، وإحلال وحدات أصغر وظيفية تبحث عن الحماية الخارجية.
هنا يبرز بوضوح مشروع “إسرائيل الكبرى” بوصفه إطارًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا يقوم على الاحتلال المباشر، بل على تفتيت المجال العربي والإسلامي إلى فسيفساء من الكيانات المتنافسة. وفي قلب هذا المسار، لعبت الإمارات دور “المقاول التنفيذي”: تمويل شبكات نفوذ، دعم قوى انفصالية ومليشياوية، إدارة موانئ وقواعد خارج سيادة الدول، وتسويق ذلك تحت عناوين الاستقرار ومكافحة الإرهاب.
من ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى القرن الإفريقي، وصولًا إلى شمال سوريا، تتكرر الصيغة نفسها: إنهاك الدولة، شيطنة قواها الوطنية، ثم تقديم كيان موازٍ باعتباره الحل الواقعي. غير أن هذا المسار بدأ يصطدم بجدار صلب، مع ارتفاع كلفته الأمنية والسياسية، وتزايد انكشافه أمام الرأي العام الإقليمي.
التحالف السعودي–التركي–الباكستاني يعكس إدراكًا متقدمًا بأن ترك الساحات فارغة يعني انتقال الفوضى من الأطراف إلى القلب. لذلك، لا يهدف هذا المحور إلى فرض هيمنة جديدة، بل إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة المركزية، وحماية خطوط الطاقة والتجارة، وتأمين الممرات البحرية، ومنع تشكل كيانات وظيفية على حساب السيادة الوطنية.
اقتصاديًا، يفتح هذا التقارب الباب أمام تكتل قادر على تأمين الطاقة، وحماية سلاسل الإمداد، وبناء مشاريع صناعية ودفاعية مشتركة، وربط الأسواق من الخليج إلى الأناضول وجنوب آسيا. أمنيًا، يؤسس لتوازن ردع يمنع المغامرات الإقليمية، دون الانزلاق إلى تحالف عسكري مغلق على نمط الناتو.
الخلاصة أن ما نشهده ليس تحالفًا عابرًا، بل تحولًا بنيويًا في موازين القوة. محاولة جديدة لرسم خرائط المنطقة عبر التفكيك تبدو هذه المرة أقل قابلية للنجاح، في ظل تشكل محور يدرك طبيعة المعركة، ويعمل على كسر منطق الفوضى قبل أن يكتمل. السؤال المفتوح لم يعد عن ولادة هذا التحالف، بل عن مدى اتساعه، والدول التي ستدرك أن أمنها لم يعد يُحمى بالحياد، بل بالانخراط في معادلة ردع إقليمي صاعد.







