
بدأتُ أعرف كامل صدقي باشا قبل أن أقرأ عنه، وقبل أن أرى اسمه محفورًا على لافتة شارع في الفجالة. عرفته حكايةً حيّة، لا سطرًا في كتاب. حكاية رواها لي أستاذي الحبيب إبراهيم باشا فرج، ونحن نجلس متجاورين في شرفة منزل فؤاد باشا سراج الدين بالإسكندرية، تلك الشرفة المطلة على أوسع زاوية لرؤية البحر المتوسط، حيث يمتد الأفق بلا حدود، كما كانت تمتد أفكار الرجال الكبار الذين مرّوا من هناك.
لم تكن علاقتي بإبراهيم باشا فرج علاقة موقع تنظيمي عابر. لم يكن فقط السكرتير العام للوفد في الوقت الذي كنتُ فيه سكرتيرًا عامًا لوفد القاهرة، بل جمعتنا علاقة أقدم وأعمق. منذ عام 1984، حين أسستُ جريدة شباب الوفد، ذلك المشروع الصحفي الشبابي الطموح، كان إبراهيم باشا كريمًا إلى حدّ النُبل، حين قبل أن يكون رئيس مجلس إدارة الجريدة. تحت رعايته، تربّى جيل كامل صار لاحقًا من نجوم الصحافة والإعلام، من بينهم مؤمن رشاد وحنان البدري وغيرهما من الأسماء التي بزغ نجمها أولًا في شباب الوفد، قبل أن تنتقل إلى جريدة الوفد بعد تأسيسها.
في تلك الجلسة بالإسكندرية، لم نكن وحدنا. كان معنا القبطان الوفدي الجميل مدحت الهرميل، رجلٌ جمع بين البحر والسياسة، وبين خفة الروح وعمق الانتماء. جلسنا ثلاثتنا، والبحر شاهد، والذاكرة مفتوحة.
حين عرف إبراهيم باشا بنيّتي الترشح، في مطلع التسعينيات، لانتخابات البرلمان عن دائرة باب الشعرية – الموسكي – الفجالة، سألني بهدوئه المعتاد:
«هل شارع كامل صدقي باشا داخل الدائرة؟»
أجبته: نعم.
ابتسم وقال جملة لم أنسها:
«أنا الذي أطلقتُ اسم هذا الرجل على هذا الشارع… عندما كنتُ وزيرًا للشئون البلدية والقروية».
هنا تدخّل القبطان مدحت الهرميل، وسأل سؤالًا وصفه بنفسه قبل أن ينطق به بأنه «سؤال محرج»:
«لم تخشَ يا باشا أن يُقال إنك اخترت هذا الرجل لأنه، مثلك، قبطي مصري تولّى الوزارة؟»
لم يتردد إبراهيم باشا لحظة. اعتدل في جلسته، ونظر إلينا نظرة حسم، ثم قال:
«اسمع يا مدحت… أنا اخترت كامل صدقي لأنه كامل صدقي. اخترته لأنه رجل دولة، ورجل قانون، ورجل استقلال. ولو كان اسمه أحمد أو محمد أو أي اسم آخر لفعلت الشيء نفسه. الوطنية لا تُقاس بالدين، والاستقلال لا يُمنَح بالأصل، بل يُكتسَب بالموقف».
ثم بدأ يروي لي سيرة الرجل كما عاشها جيله، لا كما كتبتها الكتب.
وُلد كامل صدقي باشا عام 1885، في زمنٍ كانت فيه مصر تتلمّس طريقها بين احتلالٍ جاثم ونخبة تبحث عن معنى الدولة. بدأ تعليمه في مدرسة التوفيقية، ثم التحق بكلية الطب في القصر العيني. هناك، قاده حسّه الوطني المبكر إلى صدام مباشر مع عميد فرنسي رفض أن يترك موقعه. قاد الطلبة في احتجاجٍ واضح، وحين فشل الضغط، قرر كامل ترك الطب، لا هروبًا، بل احتجاجًا صريحًا.
انتقل إلى كلية الحقوق، وهناك وُلد المحامي الحقيقي. حصل على ليسانس الحقوق، وبدأ مسيرة مهنية لفتت الأنظار مبكرًا، لا بالصخب، بل بالدقة والشجاعة وحُسن المرافعة.
في واحدة من أشهر قضاياه، ترافع عن رجال أعمال ألمان مقيمين في مصر في نزاع قانوني مع مواطنين يهود، وانتصر بالقانون وحده. بعدها، عرض عليه أدولف هتلر زيارة ألمانيا تكريمًا له، فاعتذر. لم يسافر، ولم يطلب مقابلًا. ومع ذلك، علّقت صورة كامل صدقي في المحكمة العليا بألمانيا اعترافًا بمكانته القانونية. مفارقة لافتة: رجل قانون مصري يُكرَّم في الخارج، بينما معاركه الحقيقية كانت مع النفوذ داخل وطنه.
لم تكن المحاماة نهاية الطريق، بل بدايته. دخل الحياة النيابية، وعُيّن عضوًا في مجلس الشيوخ، ثم انضم عام 1932 إلى حزب الوفد، ليصبح أحد أعمدته القانونية والسياسية.
في عام 1936، انتُخب نقيبًا للمحامين، وترك في النقابة أثرًا لا يُمحى. أسّس صندوق معاشات المحامين، وطرح مشروع قانون حصانة المحامي، دفاعًا عن كرامة المهنة واستقلالها، في زمن كان الدفاع فيه مخاطرة.
في عهده، خاضت مصر معركة إلغاء الامتيازات الأجنبية، إحدى أخطر معارك السيادة القانونية في تاريخ مصر الحديث، وكان كامل صدقي في قلب هذه المعركة، لا على هامشها.
عام 1937، عُيّن نائبًا لرئيس البرلمان. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، ومعها وزارة مصطفى النحاس عام 1942. بعد خروج مكرم عبيد من الحكومة، اختار النحاس كامل صدقي وزيرًا للمالية حفاظًا على التوازن الوطني. نال ثقة الدولة، ومنحه الملك فاروق رتبة الباشوية.
لم تدم الهدنة طويلًا. مواقفه الصريحة ضد النفوذ الأجنبي أثارت غضب السفير البريطاني مايلز لامبسون، فتدخّل لإقالته. أُبعد عن المالية، ثم أُسندت إليه وزارة التجارة والصناعة، في محاولة لتخفيف الصدام دون كسر الرجل.
في عام 1943، عُيّن رئيسًا لديوان المحاسبة، الذي أصبح لاحقًا الجهاز المركزي للمحاسبات. حتى تقاعده في مارس 1945، وضع أسس الرقابة المالية والنزاهة الإدارية في دولة كانت أحوج ما تكون لمن يراقب المال العام بلا خوف.
رحل كامل صدقي باشا عن الدنيا عام 1946، عن عمر 61 عامًا. لم يترك وراءه ثروة، بل ترك معيارًا.
وبعد أربع سنوات، في 1950، أصدر إبراهيم باشا فرج قراره بإطلاق اسم كامل صدقي باشا على شارع في باب الشعرية – الفجالة. لم يكن القرار إجراءً إداريًا باردًا، بل شهادة وفاء لرجل جمع بين القانون والوطنية والاستقلال، في زمنٍ لم يكن فيه الاستقلال إلا للرجال.
حين انتهت الجلسة في تلك الشرفة المطلة على البحر، أدركت أن الشوارع ليست مجرد أسماء، وأن بعض اللافتات تُعلّق لتذكّرنا بمن كنا… وبمن ينبغي ألا ننساه.
وجوه لا تغيب…
لأن الذاكرة، حين تُحسن الاختيار، تصبح شكلًا من أشكال العدالة.







