شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : وجوه لا تغيب…الخديوي إسماعيل

يومٌ يقفُ فيه التاريخُ على أطرافِ أصابعه،ليرفعُ الستارَ عن رجلٍ حلمَ أن يجعلَ من النيلِ مرآةً لباريس،ومن القاهرةِ شرفةً تُطلُّ على العالم،ومن مصرَ وعدًا أكبرَ من،
احتمالها،وأبعدَ من خرائطِ الواقع،لكنَّهُ — وهو يزرعُ الضوء —تركَ ظلالًا ثقيلة،وسقَى الحلمَ بماءٍ مالحٍ اسمهُ الدَّين.
في مثلِ هذا اليوم، 18 يناير 1863،
اعتلى الخديوي إسماعيل عرشَ مصر،
بعد أن أغمضَ سعيد باشا عينيه،
وانفتحَ أمام البلادِ فصلٌ جديد،
بين المجدِ والرهان،
بين البناءِ والارتهان،
بين نشوةِ الحداثة
وقلقِ الحساب.
وُلدَ في 31 ديسمبر 1830،
في قصرِ المسافرخانة بالجمالية،
حيثُ تختلطُ رائحةُ التاريخِ
بصوتِ الأزقةِ القديمة،
وكان الابنَ الثاني لإبراهيم باشا،
وحفيدَ محمد علي،
الذي زرعَ في سلالتهِ بذرةَ الدولةِ الحديثة،
وتركَ للأحفادِ شجرةً
تُثمرُ طموحًا
وتُسقطُ أحيانًا ثِقلَ الأحلام.
لم يكن ميلادُهُ ميلادَ طفلٍ فقط،
بل ميلادَ فكرة،
فكرةِ الأميرِ الذي سيحملُ في عينيه
خرائطَ أوروبا،
وفي قلبهِ توقَ الشرق،
وفي خطواتهِ إيقاعَ عصرٍ
يركضُ نحو الحداثة،
ولو على أرضٍ
تتعثرُ تحت قدميه.
نهضتِ البلادُ في عهدهِ
كما تنهضُ المدنُ من تحتِ الغبار،
شقَّ الطرق،
فتحَ المدارس،
وسَّعَ العمران،
وأضاءَ الميادين،
ورفعَ ستارَ العالمِ
عن أعظمِ مشهدٍ في تاريخِ مصر الحديث:
قناة السويس،
ذلك الشريانُ الأزرقُ
الذي صارَ جسرًا بين بحرين،
وسوقًا بين قارتين،
ومسرحًا لصراعِ الإمبراطوريات.
غيرَ أنَّ المجدَ، حين لا يُحاسَب،
يتحوَّلُ إلى فاتورة،
والحلمَ، حين لا يُوازن،
يصيرُ دفترَ ديون،
فكانت مصرُ في عهدهِ
تشتري الحداثةَ بالأجل،
وتوقِّعُ على المستقبلِ
بقلمٍ من ذهبٍ
وحبرٍ من رهونات.
قصورٌ ترتفعُ كالأحلام،
وشوارعُ تتزيَّنُ بالحجرِ الأوروبي،
واحتفالاتٌ تُدارُ كالمسارح،
لكنَّ الخزانةَ كانت تنزفُ بصمت،
والأرقامُ تتكاثرُ في الظل،
حتى صارَ الدينُ شريكًا خفيًا
في الحكم،
لا يُرى في المواكب،
ولا يُسمَعُ في الخُطب،
لكنَّهُ حاضرٌ
في كلِّ توقيع.
أغرقَ البلادَ في قروضٍ
لم تكن كلُّها ضرورة،
ولا كان زمنُها رحيمًا،
فاقترضَ ليُسرِع،
واستدانَ ليُبهِر،
واستبقَ العصرَ
قبل أن يستعدَّ المجتمع،
فصارَ الدينُ
ليس رقمًا في دفاترِ أوروبا،
بل قيدًا على القرار،
وحبلًا يلتفُّ
رويدًا
حول عنقِ السيادة.
تضخَّمت الديونُ
حتى جاوزت قدرةَ الدولة،
وتحوَّلت الفوائدُ
إلى وحشٍ يلتهمُ الإيراد،
وباتت مصرُ
تعملُ لا لتبني،
بل لتسدِّد،
ولا لتُخطِّط،
بل لتُرضي الدائنين،
فغاب التوازن،
وتقدَّم الحسابُ
على السياسة،
وتسلَّل الأجنبيُّ
من باب المال
قبل أن يدخلَ
من بوابةِ الاحتلال.
لم يكن السقوطُ فجأة،
بل انزلاقًا بطيئًا،
بدأَ بالاستدانة،
وانتهى بالمراقبة،
حين فُرضت الرقابةُ الثنائية،
وصارَ القرارُ المالي
مرهونًا
بخارجِ الحدود،
فانكشفت الدولةُ
أمام العالم،
وظهرَ أنَّ الحداثةَ
التي لم تُبنَ
على قاعدةٍ صلبة،
قد تتحوَّلُ
إلى سُلَّمٍ
يصعدُ عليه الآخرون.
انتهى الحكمُ
كما تبدأُ المآسي الكبرى:
بعزلٍ صامت،
ورحيلٍ بلا موكب،
ونفيٍ يُشبهُ الاعترافَ المتأخر،
بعد أن تركَ وراءه
بلدًا أجملَ في المظهر،
وأثقلَ في الميزان،
وأقربَ إلى العالم،
لكن أبعدَ عن نفسه.
لم يكن الخديوي إسماعيل
شرًّا خالصًا
ولا مجدًا كاملًا،
بل درسًا قاسيًا
في تاريخِ الأمم:
أن الطموحَ بلا حساب
قد يُبهِر العيون،
لكنهُ يُثقِلُ الأعناق،
وأن الدَّين،
حين يصبحُ سياسة،
لا يُغرقُ الخزائنَ وحدها،
بل يُغرقُ البلاد.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى