مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: هل تشهد أوروبا نقطة تحوّل تاريخية مع صعود اليمين المتطرف؟

في منعطف يُحاكي تاريخ القارة العاصف، عاشت أوروبا الاشهر الماضية على واقع جديد زلزال انتخابي هز أركان النخب التقليدية، حيث تقدم اليمين المتطرف والشعبوي بشكل غير مسبوق في أربع من أكبر دول الاتحاد.

هذا التقدم لا يمثل تغييرًا سياسيًا عابرًا بقدر ما هو إعلان عن انهيار النظام الليبرالي الذي هيمن على المشروع الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

صورة القارة بعد الزلزال فبحسب التقارير التي نشرت في الجرائد والقنوات الفضائية العالميه ، حققت الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية نتائج تاريخية في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.

في فرنسا، تجاوزت نسبة تأييد الجبهة الوطنية (RN) الحاجز الرمزي لأول مرة.

وفي ألمانيا، يسجل البديل من أجل ألمانيا (AfD) أعلى نسب له على الإطلاق في استطلاعات الرأي، متحديًا سنوات من المحظورات السياسية.

وفي إيطاليا وإسبانيا، تحولت الأحزاب الشعبوية من قوى هامشية إلى لاعبين مركزيين يحددون أجندة الحوار الوطني.

جذور الأزمة ولماذا الآن؟

يرى المحللون أن هذا الصعود المتسارع ليس وليد الصدفة، بل هو حصاد تراكمي لأزمات مترابطة عصفت بالثقة في المؤسسات التقليدية مثل أزمة اللجوء والهجرة التي أعادت تعريف الخطاب السياسي وفتحت الباب أمام تسييس الهوية والحدود الوطنية على حساب الروح التكاملية للاتحاد.

وكذلك التحديات الاقتصادية حيث فاقمت جائحة كوفيد-19 ثم الأزمة الاقتصادية العالمية من الفجوات الاجتماعية، وولدت شعورًا بالغضب من السياسات التقشفية والنخب المالية.

و صراع الهوية الثقافية في مواجهة العولمة والتغيرات الديموغرافية السريعة، عادت الأسئلة القديمة حول “الأصالة” و”الخصوصية الوطنية” إلى واجهة النقاش.

ولا ننسي فجوة النخبة والشارع شعور واسع بأن المؤسسات البيروقراطية في بروكسل وأحزاب الوسط فقدت الاتصال بهموم المواطن العادي، مما غذى الرغبة في “هز النظام”.

مستقبل مشروع أوروبا على المحك يطرح هذا التحول أسئلة وجودية حول مستقبل الاتحاد الأوروبي و هل يمكن لمشروع قائم على القيم الليبرالية والاندماج أن يصمد أمام موجة القوميات الرافضة للتنازل عن السيادة؟

والسؤال الأهم الان كيف ستتعامل مؤسسات الاتحاد مع حكومات قد ترفض الالتزام بمعايير سيادة القانون والحقوق الأساسية؟

و ما هو مصير سياسات مثل التكامل الاقتصادي، والاتفاق الخضر، والسياسة الخارجية والأمنية المشتركة في ظل حكومات متشككة في جدواها؟

وهل سوف تكون هناك استجابة من النخب التقليدية بين الإنكار والمواجهة فتتراوح ردود فعل أحزاب الوسط بين محاولة استيعاب جزء من خطاب اليمين لتجنب المزيد من التآكل، وبين الدعوة لتحالف جبهوي واسع (من اليمين الوسط إلى اليسار) لعزل القوى المتطرفة، كما حدث سابقًا في بعض الدول.

لكن فعالية هذه الاستراتيجيات تبقى موضع شك في ظل استمرار الأسباب الجذرية للاستياء.

لحظة حاسمة في حياة القارة الأوروبية العجوز فهي تعيش لحظة “هيستيريا” سياسية حقيقية، بمفهومها التاريخي كفترة تحول عميق.

ما نشهده ليس مجرد تغيير في تحالفات الحكم، بل اختبارًا لقدرة النظام الديمقراطي الليبرالي الأوروبي نفسه على التجديد والاستمرار في عالم تتصاعد فيه النزعات الانعزالية والصراعات.

الخيارات التي ستتخذها النخب الحاكمة والمواطنون في السنوات القليلة القادمة ستحدد ليس فقط وجه أوروبا، بل من المرجح جداً ستؤثر على النظام العالمي بأسره.

السؤال المركزي الآن هل يستطيع المشروع الأوروبي أن يجد صيغة جديدة تتجاوز انقسامات الماضي، أم أن القارة تتجه نحو فصل جديد من فصول تاريخها المضطرب؟

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى