مقالات وآراء

حسام بدراوي يكتب: ليس في السياسة صُدَف

يخطئ من يظن أن ما يجري في السياسة يمكن تفسيره بمنطق المصادفة. السياسة، بطبيعتها، فعلٌ واعٍ، قائم على التخطيط، وترتيب الأولويات، واختيار المسارات. قد تُخطئ السياسات، وقد تفشل الخطط، لكن استمرار الفشل في ظل توافر الإمكانات لا يمكن وصفه بالصدفة.

لقد كُتب كثيرًا عن «نظرية المؤامرة»، وعن كيف تحولت في عالمنا العربي إلى أداة مريحة للهروب من مواجهة الذات. فهي تُلقي باللوم على قوى خفية، وتُبرّئ الداخل من مسؤوليته، وتُعفي صانع القرار من المساءلة. لكن إدراك أن السياسة تُدار وفق مصالح وخطط لا يعني السقوط في فخ المؤامرة، بل هو الفهم الأولي لأي قراءة سياسية جادة.

حين ننظر إلى مصر، لا نتحدث عن دولة فقيرة الموارد أو هامشية الموقع. نحن أمام دولة تمتلك:
ثروة بشرية ضخمة، موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، بحرين، وقناة ملاحة عالمية، وبحيرة جبارة في الجنوب.
تاريخًا وحضارةً وعمقًا ثقافيًا، ومناخًا يسمح بالزراعة والسياحة والطاقة المتجددة.

ومع ذلك، نجد واقعًا صادمًا: فقرًا يتسع، ديونًا تتراكم، تعليمًا يتراجع، وتبعية في الطاقة لدولة تُعد عدوًا استراتيجيًا في الوعي الجمعي والتاريخي.

هنا لا يكون السؤال: من يتآمر علينا؟ بل السؤال الحقيقي: كيف تُدار الدولة؟ ولمصلحة من تُتخذ القرارات؟

الفرص التي تأتي ولا تُستثمر ليست قدرًا، بل نتيجة. والبدائل التي لا تُناقش ليست غيابًا للخيارات، بل إقصاءً متعمدًا للعقل. في السياسة، لا يوجد فراغ؛ كل مساحة لا تُملأ بقرار وطني واعٍ، يملؤها قرار مفروض أو مصلحة خارجية.

الاعتماد على الخصم ليس خطأً تقنيًا يمكن تبريره بلغة الضرورة، بل خيار استراتيجي له كلفة سيادية طويلة الأمد. وإهمال التعليم ليس أزمة ميزانية فقط، بل إعلان ضمني عن شكل المستقبل المراد: مجتمع أقل وعيًا، أسهل إدارة، وأضعف مساءلة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة هو أن تعتاد الفشل، وأن تُطبع الخسائر، وأن تُسوَّق الأزمات بوصفها إنجازات. عندها تتحول السياسة من إدارة للممكن إلى إدارة للتبرير، ومن صناعة للمستقبل إلى استهلاك للوقت.

وهنا تأتي رسالة الإفاقة: ليس كل فشل مؤامرة، لكن استمرار الفشل في ظل وفرة الإمكانات ليس صدفة.

الإفاقة تبدأ حين نُعيد الاعتبار للعقل، وحين نُميّز بين الأمن والاستقرار، وبين الدولة والحكم، وبين الوطنية وتقديس القرار.

السياسة لا تحتاج إلى شعارات أكثر، بل إلى شجاعة المراجعة.
ولا تحتاج إلى أعداء جدد، بل إلى صدق مع الذات.
فالأمم تنهض حين تعترف بأخطائها وتُصلح مسارها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى