حراك دبلوماسي مكثف في لبنان وسط مخاوف من تصعيد إقليمي ومساعٍ لتسوية سياسية شاملة

شهد لبنان خلال الأسابيع الأخيرة حراكًا دبلوماسيًا لافتًا، تمثّل في توافد مسؤولين وموفدين عرب ودوليين إلى بيروت، في ظل تصاعد التحولات الإقليمية وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات في المنطقة.
ويرى مراقبون أن هذا الزخم الدبلوماسي يعكس اهتمامًا دوليًا متجددًا بالساحة اللبنانية، في إطار مساعٍ لدفع البلاد نحو تسوية سياسية شاملة أو تحييدها عن صراعات إقليمية محتملة، خاصة مع تنامي التوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل، واحتمالات التصعيد في أكثر من ساحة.
وفي هذا السياق، زار رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان العاصمة بيروت، حيث أعلن دعم بلاده لأمن لبنان واستقراره وسيادته، ووقّع مع الجانب اللبناني 21 اتفاقية تعاون في مجالات متعددة.
كما التقى رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ممثلي اللجنة الخماسية، التي تضم السعودية وفرنسا وقطر ومصر والولايات المتحدة، وجرى بحث عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، من المقرر انعقاده في باريس خلال مارس/آذار المقبل.
وعلى الصعيد العسكري–الأمني، اجتمع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في بيروت بكل من الموفد السعودي يزيد بن فرحان والموفد الفرنسي جان إيف لودريان، لبحث التطورات الميدانية والتحضيرات المرتبطة بمؤتمر باريس.
كما شهد لبنان في يناير/كانون الثاني الجاري زيارة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، حيث شددا على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتقديم الدعم لبيروت في هذه المرحلة الحساسة.
وفي هذا الإطار، أقرّت الحكومة اللبنانية، في أغسطس/آب الماضي، قانونًا يقضي بحصر السلاح بيد الدولة، بما يشمل سلاح حزب الله، قبل أن ترحّب في سبتمبر/أيلول بالخطة التي وضعها الجيش لتنفيذ القرار عبر خمس مراحل. إلا أن أمين عام الحزب نعيم قاسم أعلن رفضه لهذا المسار، مطالبًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية.
وتزامن ذلك مع تصاعد الحديث في وسائل الإعلام العبرية عن استعداد الجيش الإسرائيلي لشن «هجوم واسع» ضد مواقع حزب الله، في حال فشل الحكومة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها.
وشمل الحراك الدبلوماسي أيضًا زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، حيث أكد أن إسرائيل تواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى استعداد طهران للحرب والتفاوض في آن واحد.
ويأتي هذا الحراك في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المطبق منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وسقوط مئات القتلى والجرحى، إلى جانب بقاء إسرائيل في خمس تلال لبنانية احتلتها خلال الحرب الأخيرة، فضلًا عن مناطق أخرى تحتلها منذ عقود.
حراك دولي وضغوط للتكيّف
وفي قراءة للمشهد، قال المحلل السياسي منير الربيع إن التحركات الدبلوماسية تعكس إدراكًا دوليًا لتحولات عميقة في الإقليم، وضرورة تكيّف لبنان معها، لافتًا إلى أن النقاشات تشمل احتمالات الإعلان أو التحضير لتشكيل قوة أوروبية تتولى مهام الوجود في جنوب لبنان، مع اقتراب انتهاء ولاية قوات «يونيفيل».
وأضاف أن تحرك اللجنة الخماسية يهدف إلى دفع لبنان نحو تسوية سياسية تعزز دور الدولة، وتقنع حزب الله بالمشاركة فيها، وعلى رأسها مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، مشددًا على ضرورة ترجمة المواقف الرسمية إلى خطوات عملية، أبرزها الإصلاحات المالية، وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها عام 2026، وتطبيق اتفاق الطائف بشكل كامل.
سيناريوهات مفتوحة
من جهته، رأى المحلل السياسي آلان سركيس أن الحراك الدبلوماسي الحالي قد يكون مقدمة لتسوية سياسية كبرى في لبنان والمنطقة، أو محاولة استباقية لتجنّب تصعيد إقليمي واسع، قد يشمل مواجهة مع إيران أو تصعيدًا إسرائيليًا ضد حزب الله.
وأكد أن لبنان عاد ليكون في قلب الحسابات الإقليمية والدولية، بين خيار التسوية الشاملة أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في ظل مرحلة دقيقة تعيشها المنطقة بأكملها.


