شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: دُرية شفيق… حين اصطدم الحلم بالجدار

كانت تمشي كأن الوقت يطاردها، وكأن كل دقيقة مؤجلة هي خسارة لا تُحتمل. في خطوتها استعجال امرأة تعرف أن بعض الحقوق لا تنتظر نضج المجتمع، وأن الحلم إذا طال انتظاره قد يتحوّل إلى ذكرى. لم تكن دُرية شفيق امرأة صبر طويل، بل امرأة توقيت، ترى أن اللحظة إن لم تُمسك من يدها تفلت إلى الأبد.

وُلدت دُرية شفيق عام 1908 في طنطا، في زمنٍ كانت فيه مصر تتقلّب بين تقاليد راسخة وأفكار جديدة تحاول أن تجد موطئ قدم. نشأت في بيتٍ متعلّم، فصار التعليم عندها هوية قبل أن يكون وسيلة. منذ البدايات، شعرت أن المعرفة إن لم تتحوّل إلى فعل عام تصبح حبيسة الرأس، وأن المرأة المتعلّمة إذا صمتت خانت ما تعلّمته.

شدّت دُرية رحالها إلى باريس، وهناك، في قلب أوروبا، تعلّمت درسًا قاسيًا: الحرية لا تُهدى، بل تُنتزع. رأت كيف تُدار المجتمعات الحديثة، وكيف تُنتزع الحقوق بالصدام حين يفشل الحوار. عادت إلى مصر محمّلة بمعرفة لا تعرف التهدئة، وبطموح لا يقبل الحلول الوسط.

منذ عودتها، رفضت دُرية فكرة التدرّج البطيء التي كانت تطمئن المجتمع أكثر مما تُنصف المرأة. كانت ترى أن بعض الحقوق، وعلى رأسها الحق السياسي، لا يحتمل المساومة. عبارة “ليس الآن” كانت في نظرها أداة دفن مؤجّل، تُستخدم لإطالة عمر الظلم لا لتنظيم التغيير.

أسست مجلة «بنت النيل»، وجعلت منها منبرًا صريحًا لا يوارب. كتبت عن حق المرأة في الانتخاب والترشّح، وعن ضرورة مشاركتها الكاملة في الشأن العام، دون أن تختبئ خلف لغة ملطّفة. كانت تعرف أن الوضوح يُغضب، لكنه يُحرّك، وأن الغضب — أحيانًا — ثمن لا بدّ منه.

بلغت المواجهة ذروتها عام 1951، حين قادت دُرية شفيق مظاهرة نسائية واقتحمت البرلمان مطالبة بحقوق النساء السياسية. كان المشهد صادمًا: نساء يقفن تحت قبة السلطة لا للفرجة، بل للاحتجاج. في تلك اللحظة، تحوّلت دُرية إلى رمز للجرأة، وإلى خصمٍ مباشر في نظر من يخشون كسر السقف دفعة واحدة.

لم تكن حياتها الخاصة أقل توتّرًا من حياتها العامة. تزوّجت وأنجبت، وحاولت أن تصنع توازنًا بين الأمومة والنضال. كانت تعرف أن المجتمع يقبل المرأة الأم أكثر مما يقبل المرأة المناضلة، لكنها رفضت أن تختار بين الدورين. هذا الرفض جعل حياتها ساحة شدّ دائم بين واجبين لا يريد المجتمع أن يجتمعا.

بعد ثورة 1952، ظنّت دُرية أن اللحظة التاريخية قد جاءت. رحّبت بالتغيير، وانتظرت أن تتحوّل الشعارات إلى حقوق ملموسة. وحين أُقرّ للمرأة حق الانتخاب عام 1956، بدا كأن جزءًا من حلمها قد تحقّق. لكنها لم تتوقف، لأن الحلم عندها لم يكن قانونًا واحدًا، بل مشاركة كاملة لا تُجزّأ.

هنا جاء الاصطدام الثاني، والأقسى. الصوت الذي يُرحَّب به في لحظة الثورة قد يُعدّ مزعجًا بعدها. فُرضت على دُرية الإقامة الجبرية، وأُغلقت مجلتها، وحُوصرت في بيتها. لم يكن السجن هذه المرة زنزانة، بل عزلة قسرية بلا قضبان، أشد قسوة لأنها بلا عدوّ واضح.

العزلة امتحانٌ لا ينجو منه أصحاب الأرواح القلقة بسهولة. امرأة اعتادت المواجهة وجدت نفسها وحيدة أمام صمتٍ طويل. السؤال الذي لاحقها لم يكن سياسيًا فقط، بل إنسانيًا: هل كان الصدام يستحق هذا الثمن؟ لم تتراجع عن قناعاتها، لكنها بدأت تدفع من صحتها وطمأنينتها.

في سنواتها الأخيرة، عاشت دُرية شفيق انكسارًا داخليًا مؤلمًا. لم تُحوّل الألم إلى خطاب، ولم تطلب شفقة. رحلت عام 1975، تاركةً وراءها تجربة شديدة التعقيد، لا تصلح للتمجيد الساذج ولا للإدانة السهلة.

قصة دُرية شفيق ليست حكاية انتصار مكتمل، بل حكاية حلمٍ اصطدم بجدار الواقع. حلمٌ كشف أن الشجاعة وحدها لا تكفي، وأن المجتمع قد يخاف من التغيير حتى وهو يطالب به. ومع ذلك، تبقى تجربتها علامة فارقة، لأنها دفعت حدود الممكن إلى أبعد مما كان مسموحًا.

ليست كل البطولات نهايات سعيدة، وبعضها مسارات مفتوحة على الخسارة. ودُرية شفيق كانت واحدة من هؤلاء اللواتي اصطدمن بالجدار، لكنهنّ تركن عليه أثر الجسد والروح، ليراه من يأتي بعدهنّ ويدرك أن الطريق لم يُفتح بلا ثمن.

هكذا بقيت دُرية شفيق وجهًا لا يغيب، لا لأنها وصلت إلى الهدف، بل لأنها كشفت الطريق بكل ما فيه من أملٍ وانكسار، وعلّمتنا أن الحلم — حين يُدفع إلى أقصاه — يترك أثره.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى