مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب — الخديوي إسماعيل (2)عندما تسقطت الديون الحاكم


وجوهٌ لا تغيب لأن لحظة سقوطها لا تخصّ صاحبها وحده، بل تكشف مصير دولةٍ كاملة. بالأمس، في ذكرى اعتلاء الخديوي إسماعيل العرش، بدا المشهد مهيبًا:
حاكمٌ يدخل التاريخ من بوابة الحلم.

واليوم، يعود الوجه نفسه من بوابة الحساب، حيث لا تكفي النوايا ولا تشفع الزينة، إذا صار القرار مرهونًا.
بدأ الحكم في 18يناير عام 1863، والدين العام لمصر يدور حول ثلاثة إلى ملايين جنيه إسترليني؛
عبءٌ… لكنه محتمل، ودولةٌ ما تزال تمسك بدفاترها.

مضت السنوات الأولى سريعة الإيقاع: مشروعات كبرى، تحديث واسع، قصور، احتفالات، الإنفاق كان يجري أسرع من الإيراد، والاقتراض أسرع من التخطيط.
في نهاية الستينيات،و بعد مرور٧ سنوات، تجاوز الدين عشرين مليون جنيه. لم يتوقف النزيف. قروض جديدة تُسدد قديمة، وفوائد مركّبة تتراكم، وضمانات وبيع للأراضي.

مع افتتاح قناة السويس وما صاحبها من نفقات باهظة، قفز الدين في مطلع السبعينيات إلى حدود خمسين مليون جنيه، بينما لم يكن الدخل السنوي للدولة يتجاوز بضعة ملايين.


الأرقام خرجت من نطاق السيطرة.


تراكم الدين إلى ما بين مئة ومئة وستة وعشرين مليون جنيه إسترليني رقمٌ مذهل بمعايير القرن التاسع عشر، يساوي وقتها، أضعاف دخل مصر السنوي .


لم تعد الديون أرقامًا في الدفاتر، بل صارت إدارةً مفروضة، ورقابةً مباشرة، وصوتًا أعلى من صوت الدولة.


حين تثقل الديون، يتغير رأس السلطة، ففي 19 يونيو 1879، جاء الإخطار غير المكتوب باليد المصرية:
التنازل مقابل النجاه، والرحيل مقابل الاستقرار. كانت الدولة قد فقدت حقها في الرفض منذ لحظة رهن القرار المالي.


حاول إسماعيل كسب الوقت، وانتظر سندًا، وراهن على اختلاف المصالح. غير أن الإجماع كان قد تشكّل فوق الأرقام. ليلة 24 يونيو، بعد منتصف الليل، دخل القناصل القصر.
ارتجّ المكان، وخافت الأم(الوالده باشا)على ابنها، ونزل الخديوي ليسمع الجملة التي تختصر ستة عشر عامًا
«لا بد من الاستقالة».
في صباح اليوم التالي، فكّر في القوة، فوجدها بلا سند. الجيوش لا تنتصر حين يكون العزل قرارًا مكتوبًا في دفاتر الدين.
أدرك أن اللعبة انتهت، وأن الرحيل صار واقعا.
لم تُسقط الديون إسماعيل وحده، بل أسقطت فكرة الاستقلال المالي، وفتحت الباب لتدخلٍ صار قاعدة. ما جرى لم يكن خطأ إنفاقٍ فقط، بل غياب ميزانٍ يربط الحلم بالحساب.

درس مهم:


النهضة التي لا يحرسها استقلال مالي تُسلم مفاتيحها للغير، والدولة التي تقايض القرار بالقروض، تُبلَّغ بعزلها في منتصف الليل. التاريخ لا ينسى الوجوه… ولا يغفر الديون حين تتحول إلى كابوس.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى