
من الجذور إلى الفكرة… حين صار العدل مشروع دولة
ذاكرةُ الأمم لا تبدأ حين تشتدّ الأزمات، بل حين تُدرك أن ما يُنقذ الحاضر وُلد في الماضي. سؤالُ استقلال القضاء اليوم ليس وليد لحظةٍ طارئة، بل امتدادٌ لسلسلة طويلة من رجالٍ آمنوا بأن العدل أساس الدولة، لا زينتها.
ميلاد محمد صبري أبو علم يوم الاثنين 2 يناير 1893 بمحافظة المنوفية جاء في زمنٍ كانت فيه مصر تتلمّس طريقها بين الاحتلال والنهضة. القانون آنذاك لم يكن مهنةً باردة، بل ساحة صراع وطني لا تقلّ خطورة عن الشارع والسياسة.
دراسةُ الحقوق عنده لم تكن باب رزق، بل بوابة مواجهة. نشاطه الوطني المبكر أدّى إلى فصله وتأخّر تخرّجه إلى عام 1916، واقعةٌ تُسجَّل كبداية وعيٍ ربط بين الحرية وسيادة القانون، لا بين النصوص والوظيفة.
ثورةُ 1919 كشفت معدن الرجل. حضورٌ تنظيميّ وعملٌ هادئ بقدر ما كان الكلام صريحًا. قناعةٌ ترسّخت بأن الاستقلال السياسي بلا قضاء مستقل يظل منقوصًا وقابلًا للانكسار.
دخولُ البرلمان عام 1924 ضمن أول مجلس وفدي فتح صفحة جديدة. زمنُ الزعيم مصطفى النحاس لم يتعامل مع القضاء بوصفه جهازًا تابعًا، بل ركنًا أصيلًا من أركان الدولة الحديثة.
وزارةُ العدل في مسيرة صبري أبو علم لم تكن محطةً واحدة. ثلاث مرات حمل الحقيبة:
— 27 أبريل 1937 (وزارة النحاس الرابعة)،
— 4 فبراير 1942 (الوزارة الخامسة)،
— من 5 يوليو 1942 حتى 8 أكتوبر 1944 (الوزارة السادسة).
كل مرة كانت اختبارًا لإرادة الإصلاح لا وجاهة المنصب.
تلك السنوات شهدت وضع كادرٍ خاص للقضاء، وإعداد مشروع قانون استقلاله، ونشأة نادي القضاة. مطالبُ اليوم تبدو جديدة في الخطاب، لكنها في الحقيقة ديونٌ مؤجَّلة منذ ذلك الزمن.
فهمُ الرجل لطبيعة العدل تجاوز المنصة. رؤيةٌ أدركت أن استقلال القاضي يبدأ من أمان موقعه ومساره المهني. مقولته البرلمانية عام 1943 ظلّت شاهدة: «القاضي الذي يخشى غدَه لا يستطيع أن يحكم بعدل اليوم».
كلماتُ مصطفى النحاس في جلسات مجلس النواب عام 1937 أكّدت المعنى ذاته. «استقلال القضاء صمام أمان الأمة». عبارةٌ تحوّلت سياسةً وتشريعًا، لا شعارًا للاستهلاك.
هذا الأساس هو ما صنع السلسلة. أسماءٌ لاحقة لم تظهر من فراغ، بل وقفت على أرضٍ مهّدها صبري أبو علم ومن عاصروه. الفكرة سبقت الأشخاص، لكنها احتاجت رجالًا يحملونها عبر العقود.
هنا يبرز قضاء مجلس الدولة بوصفه حارس المشروعية. دورٌ لم يكن نظريًا، بل ممارسة يومية واجهت القرار التنفيذي حين انحرف. أسماءٌ قليلة صنعت الفارق بالفعل لا بالضجيج.
أحمد الشاذلي كان واحدًا من هؤلاء. قاضٍ شاب يوم افتتاح فرع مجلس الدولة بالمنصورة، وطالبُ حقوق في عامه الثاني يقف أمامه بطعنٍ أعدّه بنفسه ضد قرار أمني باستبعاده من انتخابات اتحاد طلاب كلية الحقوق، بعد أن كان رئيسًا للاتحاد في العام الأول.
المشهدُ لم يكن عابرًا. القاضي صحّح شكل الدعوى، أعان التلميذ على الطريق القانوني، طلب توقيع أحد المحامين، ثم أصدر في اليوم التالي حكمًا بإلغاء قرار الشطب والعودة إلى كشوف المرشحين. عدالةٌ تُمارَس لا تُحكى.
التجربة لم تتوقف عند ذلك الحد. سنواتُ الاعتقال حملت فصولًا أخرى. صحفُ دعاوى كُتبت من داخل الزنزانة، قُدّمت أمام مجلس الدولة، وأحكامٌ صدرت تباعًا لصالح الحق.
هذا النوع من القضاء لا يصنع بطولة فردية، بل يرسّخ ثقةً عامة. قاضٍ لم يسأل عن الكلفة، ولم يساوم على المبدأ. هكذا تُفهم استقلالية القضاء حين تتحول إلى ممارسة يومية تحمي الأفراد لا العناوين.
الرحيلُ عن الدنيا لا يُنهي الحضور. أثرُ أحمد الشاذلي ظل قائمًا في أحكامٍ صنعت الفارق وفي ذاكرة من لمسوا العدل بأيديهم قبل أن يقرأوه في الكتب. رحم الله الرجل رحمةً واسعة.
هذه الحلقة الأولى لا تُغلق الباب، بل تفتحه. الجذور وُضعت، والفكرة تشكّلت، والسلسلة ممتدة.
رجالُ بلاط استقلال القضاء لا يجتمعون في زمنٍ واحد، لكنهم يشتركون في معيارٍ واحد. العدل حين يُختبر لا يتراجع. تلك هي الحكاية التي تبدأ من هنا، وتستكمل فصولها في الحلقتين القادمتين.









