شباك نورملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب. قلبي أربع غرف

كان مكتبي وحزبي
في عمارةٍ جروبي سليمان باشا
تلك العمارة الاوربيه الساحرة التي تُطلّ على تمثال و ميدان طلعت حرب،
حيثُ تتأنّق القاهرة الخديويّة
بشوارعها المستقيمة،ونوافذها العالية،
ومقاهيها التي كانت تُنصتُ للفكر
قبل أن تُقدَّم فنجان القهوة.

غير أنّ قلبي— ودائرتي الانتخابيّة—
كانا هناك…في باب الشعريّة،والموسكي،
حيث القاهرة الفاطميّة
تتنفّس التاريخ في الأزقّة،
وتكتب يوميّاتها على الجدران
بلغة البسطاء.

عِشتُ بين قاهرتين،
كأنّني أنتمي إلى مدينتين تاريخيّتين،
لكلٍّ منهما ملامحها،
وسكّانها،
وشوارعها،
وحكاياتها التي لا تنتهي.
ولم أعرف—للآن—
أيّهما أقرب إلى قلبي.

يقول علم الطبّ
إنّ للقلب أربع غرف،
وأنا أصدّق ذلك…
لكنّي أظن:
أنّ القاهرة الفاطميّة
كانت الغرفة الأولى .
فهناك فقط أشعر بذاتي
واحدٌ من ناسها،
أمشي في دروبها،
احفظ عتبات بيوتها،
أتعلّم من صمتها واوجاعها
أكثر ممّا تعلّمت من ضجيج البرلمان.

في شوارعها
كنتُ أشعر
أنّي خرجتُ من صفحات
ثلاثيه نجيب محفوظ،
من زقاق المدق
حيث البشر أبطالُ رواياتٍ
غير مكتوبة،
لكنّها منحوتة
في الذاكرة .

بشرً
يُحبّون بلا تنظير،
ويغضبون بلا تزييف،
ويحلمون
رغم كلّ ما يضغط عليهم.

أمّا الغرفة الثانية في قلبي،
فكانت القاهرة الخديويّة،
وسط البلد،بشوارعها
التي خُطّت على مقاس
الحلم الأوروبي،
وبمقاهيها التي صاغت الوعي،
وصحافتها التي كانت
ديوان الحياة المصريّة.

هناك تعلّمت
أنّ المدينة يمكن أن تكون
فكرةً سياسيّة،
وأنّ العمران
ليس حجارةً صامتة،
بل بيانًا ثقافيًّا
يقول من نحن
وإلى أين نريد أن نذهب.

في تلك القاهرة
أحببتُ المرحلة الملكيّة،
لا حنينًا إلى تاج،
بل عشقًا لتجربةٍ
تعدّدت فيها مراكز القوّة،
وتصارعت فيها الأفكار،
وارتفع فيها صوت الصحافة
محاسِبًا قبل أن يكون مُصفِّقًا.

أحببتُها
لأنّي أحببتُ الوفد،
وأحببتُ الوفد
لأنّي أحببتُ الليبراليّة،
وأحببتُ الليبراليّة
لأنّي أحببتُ الحريّة.
وتلك—باختصار—
كانت ولا تزال
حكايتي.

القاهرة الملكيّة
لم تكن امتدادًا آليًّا
للقاهرة الخديويّة،
بل كانت مرحلةً
أعطت المدينة
شكلها المعماريّ،
وثقافتها الحداثيّة،
وجعلت من الصحافة
عينًا ساهرة،
تحتفي بالإنجاز
وتفضح الخلل.

من كوبرى الزمالك
الذي يطل عليه بيتي
إلى شارع شريف
حيث كان مكتبي للمحاماة
من بنك مصر،
لدار وميدان الاوبرا
إلى شارع فؤاد ،
كانت قاهرتي
تُحدّث نفسها بنفسها،
وتُجرّب،
وتُخطئ،
وتُراجع.

ظلّت القاهرة
منقسمة بين واجهةٍ براقة
وقلبٍ مُتعب..

الغرفة الثالثة في قلبي
كانت الإسكندريّة،
المدينة التي وُلدتُ فيها
في مستشفى المترنيتيه،
بحي بابور المياه،
وعشتُ في بيت جدّي،
ثم في ستانلي،
حيث بيتي الشخصي
المطلّ على البحيرة
والكوبري الجميل
الذي لا يشيخ.

هناك تعلّمت
أنّ البحر
يمكن أن يكون معلّمًا،
وأنّ الأفق
يوسّع الصدر
حتى لا يضيق بالاختلاف.

أمّا الغرفة الأخيرة،
فكانت المنصورة،
بلدي ومنشئي،
التي غادرتُها جسدًا
في المرحلة الجامعيّة،
لكنّها لم تغادرني روحًا.
بيت أبي وأمّي
ما زال
مسرح أحلامي اليوميّة،
ومرجع قلقي
وطمأنينتي معًا.

هذه ليست سيرة مدينة،
بل سيرة قلب
توزّع على أربع غرف،
كلّ غرفة
تحمل وطنًا،
وكلّ وطن
يحمل حكاية.

عِشتُ في القاهرة
الخديويّة،
وكنتُ نائبًا
عن القاهرة الفاطميّة،
وبينهما
تشكّلت تجربتي،
وتكوّن وعيي،
وصغتُ—على مهل—
معنى أن تكون الحرية
أسلوب حياة
لا شعارًا.

تلك رحلتي
في غرف قلبي الأربع…

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى