مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: هل الحرب على الإخوان.. أم على الإسلام؟

لم يعد استهداف جماعة الإخوان المسلمين مجرد خلاف سياسي عابر، ولا إجراءً أمنيًا مرتبطًا بظرف محلي أو إقليمي، بل أصبح جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمكانة الإسلام نفسه في المجال العام، وبحق الأمة في أن تعبّر عن هويتها ومشروعها الحضاري المستقل.


فحين تُصنَّف جماعة ذات امتداد فكري واجتماعي واسع، ومرجعية إسلامية معلنة، على قوائم “الإرهاب” بقرارات سياسية لا قضائية، فإن السؤال الحقيقي لا يكون عن مصير تنظيم، بل عن مستقبل فكرة، وهوية، ووعي جمعي.


من الخطأ الجسيم اختزال جماعة الإخوان المسلمون في توصيف تنظيمي ضيق، أو التعامل معها كحزب سياسي تقليدي يمكن حله بقرار إداري. فالإخوان، منذ تأسيسهم على يد الإمام حسن البنا، لم يقدّموا أنفسهم كتنظيم مغلق، بل كمدرسة إصلاحية شاملة، تنطلق من الإسلام باعتباره عقيدةً وشريعةً ومنهج حياة.
وهذا الفهم هو ما جعل الفكرة تنتشر في المجتمعات، لا عبر القوة أو الإكراه، بل عبر العمل الدعوي والتربوي والاجتماعي، وهو ما يفسّر بقاءها رغم كل محاولات الاجتثاث.

ازدواجية المعايير في التصنيف


اللافت في قرارات التصنيف الغربية، وعلى رأسها الأمريكية، أنها تفتقر إلى معيار قانوني ثابت. فلا توجد أحكام قضائية دولية نهائية تدين الجماعة ككيان موحّد بالإرهاب، ولا أدلة قانونية منشورة تبرر هذا الإدراج الشامل.
الأمر في حقيقته قرار سياسي وظيفي، يتبدل بتبدل المصالح. فالجماعة ذاتها التي فُتح لها المجال في مراحل سابقة، وأُجريت معها حوارات، وأُدمجت في العملية السياسية في دول متعددة، أصبحت فجأة “تهديدًا عالميًا”، دون تغيّر جوهري في خطابها أو منهجها. المشكلة ليست في “العنف” بقدر ما هي في المرجعية.
وهنا يتأكد أن الإسلام في المجال العام هو التهمة الحقيقية. جوهر الاستهداف لا يتعلق بجماعة بعينها، بل بمحاولة إخراج الإسلام من معادلة الحكم والتشريع والتأثير الاجتماعي. فالإخوان يمثلون– في نظر خصومهم– النموذج الأوضح للإسلام حين يتحول من عقيدة فردية إلى مشروع حضاري عام. هذا النموذج هو ما يزعج القوى المهيمنة، لأنه:


يربط الدين بالتحرر والسيادة.

يرفض التبعية السياسية والثقافية.

يعيد الاعتبار لقيم الأمة ومرجعيتها.

يقدّم بديلًا أخلاقيًا عن النموذج الغربي المهيمن.

ولهذا يصبح استهداف الإخوان رسالة ردع لكل من يفكر في استعادة الإسلام كمرجعية ناظمة للحياة.

“فلسطين في قلب المعركة”


لا يمكن فصل التصعيد ضد التيار الإسلامي عن موقعه من قضية فلسطين. فالإخوان تاريخيًا شكّلوا أحد أهم الحواضن الشعبية والسياسية لمقاومة الاحتلال ورفضوا الاعتراف بشرعيتة، وربطوا بين التحرر الوطني والواجب الديني.
ومن هنا، فإن ضرب هذا التيار يخدم هدفًا استراتيجيًا أوسع: تحييد الأمة عن فلسطين، وتجريم كل خطاب يربط بين الإسلام والمقاومة للمحتل المغتصب الأرض، وتحويل الصراع إلى ملف أمني بارد منزوع البعد القيمي.
لكن؛ هل اقتربت النهاية.. أم بدأت مرحلة جديدة؟
التاريخ القريب والبعيد يثبت أن الأفكار لا تُهزم بالقرارات، ولا تُلغى بالتصنيفات. فقد حُلّت الجماعة مرات، وسُجن قادتها، وشُوّه خطابها، ومع ذلك بقيت الفكرة حاضرة، لأنها تعبّر عن حاجة مجتمعية عميقة، وعن توقٍ دائم للعدل والكرامة والاستقلال.


إن ما يجري اليوم لا يُنذر بنهاية الإخوان، بقدر ما يكشف عن خوف عميق من عودة الإسلام إلى مركز الفعل والتأثير. وكلما اشتد هذا الخوف، ازدادت محاولات الشيطنة، واتسعت دائرة الاستهداف.


ان الحرب على الاخوان واستهداف تنظيماتهم في دول الطوق المحيطة بالكيان الصهيوني واتهامهم بمساندة المقاومة الفلسطينية هو محاولة لحرث الأرض وتمهيدها لإقامة مشروع إسرائيل الكبرى؛ هذا المشروع الذي يدشن إسرائيل كقوة إقليمية قائدة لعالمنا العربي حتى يتفرغ الأمريكي للمواجهة الكبرى مع التنين الصيني وحلفائه. فهل تنجح الخطة الأمريكية أم تفشل وتنهار وتتداعي كما انهارت الحملات الصليبية قديما بفعل المقاومة العنيدة الشرسة لأمة حركتها قرون طويلة من المحن والآلام وعلمت العالم ثقافة الشهادة في سبيل الحرية ومن أجل الاستقلال..

“الخلاصة”


الحرب الجارية ليست على تنظيم، بل على هوية.

وليست على أشخاص، بل على مشروع.

وليست على الإخوان وحدهم، بل على الإسلام حين يرفض أن يُحبس في الزوايا.

ومن يظن أن تصنيف جماعة يمكن أن يُنهي الفكرة، يسيء قراءة التاريخ، ويجهل طبيعة هذه الأمة التي كلما اشتد عليها الضغط، أعادت إنتاج وعيها من جديد.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى