د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب… السادات الكلمة التي قتلته قبل المنصّة

كلمةٌ، خرجت من فم رئيسٍ جاء من قلب المؤسسة العسكرية:
«كفاية حكم عسكر».
لم تكن زلّة لسان، بل توجّهًا سياسيًا مكتمل الدلالة، قاله أنور السادات في سياق صراعه مع ميراث الدولة الفردية، ورغبته المعلنة — والمترددة أحيانًا في نقل مصر من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات بعد زمنه.
تاريخ العبارة لا يحمل توقيع ساعةٍ أو يومٍ بعينه، لكنها ترددت وشاعت في نهاية عام 1980، في جلسات مغلقة وتصريحات منقولة، وفي مناخٍ سياسي كان السادات يحاول فيه فكّ الارتباط بنموذج جمال عبد الناصر، حيث الدولة ظلّ للرئيس، والرئيس ظلّ للمؤسسة العسكرية.
الكلمة كانت صادمة؛ ليس لمعارضي السادات، بل لأنصاره.
كيف لرئيسٍ عسكري أن يقول: كفاية حكم عسكر؟!
كأن السلطة تعترف، للمرة الأولى، بأن الخطر لا يكمن في غياب الدولة، بل في اختزالها في مؤسِّسها الوحيد.
لم يكن قصد الرجل نفي الدولة أو إضعافها، بل العكس.
فالدولة في تصور السادات لما هو بعده، لم تكن ثكنة، بل منظومة مؤسسات: تشريع، وقضاء، وإدارة، وحياة حزبية، وصحافة، ومسافة صحية بين الحاكم والقرار.
الكلمة كانت — في جوهرها — بيانًا مبكرًا عن الدولة المدنية، حتى لو لم تُستكمل شروطها الموضوعية، وحتى لو تراجع عنها صاحبها تحت ضغط الخوف والصدام.
المفارقة القاسية أن الكلمة نفسها، التي أراد بها السادات إنقاذ الدولة من عسكرة السياسة، كانت من بين الكلمات التي عزلته سياسيًا.
يسارٌ غاضب، إسلاميون ناقمون، نخبٌ مرتبكة، ومؤسسة لم تغفر لرئيسها أنه فكّر علنًا في تقليص دورها السياسي.
في بلدٍ لا يُسامح من يفتح أبواب الاحتمالات، تحوّلت الكلمة إلى شهادة إدانة أو شهادة وفاة قبل المنصّة بشهور.
ما لا يُقال كثيرًا، أن السادات لم يكن يخطط فقط لاستعادة الأرض، بل لاستعادة السياسة.
كانت نية الرجل — بعد اكتمال تحرير آخر شبر من سيناء — رفع القبضة عن المجال العام، وإعادة ترتيب السلطة على نحوٍ مختلف.
الخطة التي لم يُمهله القدر لتنفيذها، كانت تعيين منصور حسن، المدني الليبرالي الشاب آنذاك، نائبًا لرئيس الجمهورية إلى جوار حسني مبارك.
الصدام كان متوقعًا.
بعد تعيين منصور حسن، لوجود خلافٍ عميق في الرؤية بين (منصور) رجل الدولة المدني، و(مبارك) الضابط الصاعد الذي يرى السلطة من زاوية الاستقرار لا التحوّل.
الخيار البديل كان حاضرًا في ذهن السادات:
لو رفض مبارك الاستمرار كان هو كمال حسن علي، كنائب عسكري هادئ، وعقل إداري قادر على القبول بإدارة انتقال متوازن.
الواقعة لم يشكك فيها أحد، وربما كانت سببًا مباشرًا في التخلّص من السادات، كما كانت سببًا مباشرًا في فوبيا مبارك تجاه منصب «نائب الرئيس» التي حكمت مصر قرابة تسعةٍ وعشرين عامًا.
رفضٌ دائم للتشارك، خوفٌ من التعدد، وارتيابٌ من أي احتمال مدني داخل قمة السلطة، إلى أن جاءت اللحظة الاضطرارية الأخيرة، وتعيين عمر سليمان في الوقت الضائع… ربع ساعة قبل النهاية.
السؤال الذي لا يغيب ولا يزال معلّقًا:
هل نتعلّم من دروس التاريخ، أم نُعيد إنتاجها؟
هل نفهم أن الدولة القوية لا تُدار باليد الواحدة، ولا تُحمى بإقصاء السياسة، بل بتعدّدها؟
أم نظل — كالعادة — بلد الفرص الضائعة، وقرارات الربع ساعة الأخيرة؟







