مقالات وآراء

فرج المجبري يكتب: لماذا على حفتر أن يشعر بالقلق؟

لم تعد التحولات الجيوسياسية في الإقليم تسير بالوتيرة البطيئة التي اعتادت عليها النخب المحلية ووكلاء الصراعات. ما يجري منذ نهاية 2025 وبداية 2026 هو انتقال سريع من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة تشكيل المحاور وفرض وقائع جديدة بالقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية. التحالفات تعاد صياغتها، والمشاريع الكبرى تُختبر ميدانيًا، والكيانات الوظيفية التي نشأت في لحظات الفوضى باتت تواجه سؤال البقاء.

في اليمن، سقط رهان التقسيم العملي الذي حاول المجلس الانتقالي الجنوبي فرضه تحت غطاء الشراكة، مع تحرك سعودي حاسم أنهى وهم “الكيان الموازي” وأعاد تعريف الصراع بوصفه معركة دولة ضد ميليشيا. في الصومال، انتهى الدور الإماراتي فجأة وبقرار سيادي، مع إلغاء الاتفاقات الأمنية والعسكرية، وإغلاق الموانئ والقواعد التي شكّلت لعقد كامل منصة لوجستية للتدخلات العابرة للحدود. في السودان، بدأ شريان الإمداد لقوات الدعم السريع يجف، مع تحركات سعودية–مصرية متزامنة، وضربات نوعية للجيش السوداني، ورفع كلفة الدعم الخارجي إلى مستويات غير قابلة للاستدامة.

في سوريا، يتهاوى مشروع “قسد” بوتيرة متسارعة، مع استعادة الدولة زمام المبادرة عسكريًا وسياسيًا، وانكشاف حدود الرهان على الكيانات الانفصالية بوصفها أدوات دائمة. لم يعد الحديث عن حكم ذاتي أو لامركزية موسعة، بل عن وحدة السلاح والقرار، وإغلاق مرحلة الكيانات المسلحة المرتبطة بالخارج.

هذا المشهد المتزامن لا يمكن فهمه بمعزل عن تراجع مشروع “إسرائيل الكبرى” في صيغته الوظيفية غير المباشرة. المشروع الذي قام على تفكيك الدول من الداخل، عبر دعم كيانات محلية مسلحة أو انفصالية، وتدوير الصراع بدل حسمه. في هذا السياق، انكشف الدور الإماراتي بوصفه المقاول التنفيذي لهذا المشروع في أكثر من ساحة: تمويلًا، وتسليحًا، وتوفير منصات لوجستية، وتلميعًا سياسيًا. ومع تصاعد الضربات لهذا المسار، سقط القناع عن الإمارات كدولة وظيفية تؤدي دورًا تخريبيًا يتجاوز حجمها، ويصطدم الآن بجدار إقليمي صلب تقوده السعودية، وتلتحق به مصر، وتدعمه أدوار تركية وقطرية وباكستانية متقاطعة.

وسط هذه التحولات، يجد خليفة حفتر نفسه في وضع غير مريح. النموذج الذي مثّله في ليبيا — سلطة عسكرية موازية، واقتصاد ظل، ومؤسسات منقسمة — لم يعد مقبولًا إقليميًا كما كان. الضغوط تتزايد، وشبكات الدعم التي استفاد منها بدأت تتفكك، أو على الأقل تُعاد هيكلتها وفق أولويات جديدة لا تضعه في الصدارة.

العامل الزمني يزيد المأزق تعقيدًا. حفتر تقدم به العمر، وأبناؤه دخلوا في تنافس داخلي مكشوف، والقبائل التي منحته الشرعية في بداياته لم تعد ترى فيه الضامن لمصالحها، خاصة بعد سحق رموزها وتهميشها. في لحظات التحول الكبرى، غالبًا ما تُغلق الملفات القديمة لا بدافع الأخلاق أو العدالة، بل بمنطق الصفقات الكبرى وإعادة توزيع الأدوار. وحفتر، في هذا السياق، قد يتحول من أصل إلى عبء.

القلق هنا ليس شخصيًا، بل بنيويًا. فحين تتغير قواعد اللعبة الإقليمية، يصبح البقاء مشروطًا بالقدرة على التكيّف أو الخروج المنظّم. وكل المؤشرات تشير إلى أن مرحلة الوكلاء الانفصاليين والميليشيات العابرة للحدود تقترب من نهايتها، أو على الأقل من إعادة فرز قاسٍ.

الخلاصة الباردة أن المنطقة تدخل مرحلة ما بعد الميليشيات وما بعد الكيانات الوظيفية. من لم يلتقط هذا التحول مبكرًا، قد يجد نفسه خارج الحسابات، لا بفعل هزيمة مباشرة، بل نتيجة تغيّر قواعد اللعبة نفسها. وفي هذا السياق، فإن قلق حفتر ليس خيارًا نفسيًا، بل قراءة عقلانية لمشهد إقليمي يتحرك بسرعة، وقد لا ينتظر المتأخرين. ويبقى السؤال الأهم: هل تدرك طرابلس حجم هذه اللحظة وهذه التحولات؟ حتى الآن، لا يظهر من تحركاتها ما يوحي بجهد واضح لاستثمار اللحظة، إذ لا يزال التباطؤ، والارتهان للتوازنات القديمة، وغياب إرادة التغيير، هي العناوين الأبرز للمشهد.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى