مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: استهداف الجسور والمنشآت المدنية.. عندما تتحوّل الحرب إلى جريمة قانونية

في النزاعات المسلحة المعاصرة، لم يعد الدمار الجسدي وحده هو الخطر الأكبر، بل التحوّل المتزايد نحو استهداف البنية التحتية المدنية، من جسور ومؤسسات خدمية ومنشآت حيوية، بما يحمله ذلك من آثار كارثية على حياة المدنيين واستقرار المجتمعات. ورغم وضوح القواعد القانونية الناظمة، لا يزال هذا النمط من الهجمات يُرتكب على نحو متكرر، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

من حيث المبدأ، تنص اتفاقيات جنيف على حماية الأعيان المدنية، وتُلزم أطراف النزاع بالتمييز الدائم بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية. وتُعد الجسور، في الأصل، منشآت مدنية محمية، لما تؤديه من دور أساسي في تنقّل المدنيين وتأمين الإمدادات الحيوية، بما في ذلك الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية.

غير أن الإشكالية القانونية تظهر عند تبرير استهداف الجسور بذريعة الاستخدام العسكري. فحتى في الحالات التي يُستخدم فيها الجسر جزئياً لأغراض عسكرية، لا يفقد صفته المدنية تلقائياً، بل يخضع استهدافه لشروط صارمة، في مقدمتها مبدأ التناسب. ويعني ذلك أن أي هجوم يجب ألا يُتوقع أن يُلحق أضراراً مفرطة بالمدنيين أو بالبنية التحتية المدنية مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة. وفي كثير من الحالات، يتحول تفجير الجسر من “عمل عسكري” إلى هجوم غير متناسب، محظور قانوناً.

الأخطر من ذلك هو استهداف الجسور دون ضرورة عسكرية ملحّة، أو بقصد شلّ الحياة المدنية، أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، أو بثّ الخوف بين السكان. في مثل هذه الحالات، لا يكون الحديث عن “خطأ عسكري”، بل عن جريمة حرب محتملة، لا سيما عندما يترتب على التفجير سقوط ضحايا مدنيين أو عزل مناطق سكنية بالكامل.

ولا يمكن تجاهل البعد الإنساني طويل الأمد لهذه الهجمات. فتدمير الجسور الحيوية لا يقطع الطرق فحسب، بل يقطع سلاسل الإمداد، ويمنع الوصول إلى المشافي، ويُفاقم الأزمات الإنسانية. ولهذا، يفرض القانون الدولي الإنساني واجباً خاصاً بحماية الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، وهو واجب غالباً ما يتم تجاهله في حسابات القوة العسكرية قصيرة الأمد.

من زاوية المساءلة، فإن استهداف المنشآت المدنية والجسور، عندما يتم على نحو يخالف مبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية، قد يرقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي. ولا تقتصر المسؤولية هنا على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القيادات التي أمرت أو غضّت الطرف أو فشلت في منع هذه الأفعال.

إن احترام حماية المنشآت المدنية ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل التزام قانوني صريح. وكل تساهل في هذا المجال يفتح الباب أمام تطبيع الانتهاكات، وتحويل الحرب إلى مساحة مفتوحة لتدمير المجتمع ذاته. وفي زمن تتزايد فيه النزاعات، يبقى التمسك بالقانون الدولي الإنساني هو الحدّ الأدنى الذي يفصل بين منطق الحرب، ومنطق الجريمة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى