ملفات وتقارير

بيت الأمة يصارع البقاء.. حزب الوفد بين كماشة الإفلاس المالي واحتضار “الجريدة” ومرشحون للرئاسة “بلا خرائط إنقاذ”

يعيش حزب الوفد، أعرق الأحزاب السياسية المصرية ووريث الحركة الوطنية الليبرالية، واحدة من أحلك فتراته في تاريخه الممتد لأكثر من قرن. لم تعد الأزمة مجرد خلافات سياسية معتادة أو صراعات أجنحة، بل تحولت إلى تهديد وجودي حقيقي يضرب “بيت الأمة” في مقتل، ويتمثل في شقين متلازمين: أزمة مالية طاحنة تكاد تعلن إفلاس المؤسسة، واحتضار بطيء لجريدة “الوفد”، الذراع الإعلامية التاريخية للحزب، التي باتت عاجزة عن سداد رواتب صحفييها.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تتجه الأنظار إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة للحزب كطوق نجاة أخير، إلا أن مفارقة صارخة تسيطر على الموقف: مرشحون بارزون يتصدرون المشهد، بينما تغيب عن طاولاتهم – حتى اللحظة – البرامج التفصيلية القادرة على التعامل مع هذا الإرث الثقيل من الأزمات.

الجريدة العريقة.. من “صوت المعارضة” إلى “أروقة الاعتصامات”

لا يمكن فصل أزمة الحزب عن مأساة جريدته. فجريدة “الوفد”، التي كانت يوما ما المدرسة الصحفية الأهم في مصر وصوت المعارضة الأعلى توزيعا وتأثيرا، تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة للاعتصامات المتكررة من قبل صحفييها والعاملين فيها، للمطالبة بحقوقهم المالية الأساسية المتأخرة لشهور طويلة.

تشير البيانات المتاحة إلى تراكم مديونيات بملايين الجنيهات على المؤسسة الصحفية، عجزت الإدارات المتعاقبة عن إيجاد حلول جذرية لها، مكتفية بمسكنات مؤقتة لم تزد الوضع إلا تفاقما. لقد أصبح مشهد الصحفيين الوفديين وهم يفترشون مداخل الحزب للمطالبة بقوت يومهم وصمة عار في جبين الكيان الليبرالي العتيد، وتهديدا مباشرا بإغلاق منبر إعلامي تاريخي.

النزيف المالي والتآكل السياسي: أرقام مفزعة (130 مليون دين و24 مليون احتياج سنوي)

الأزمة المالية لا تقتصر على الجريدة فحسب، بل تمتد لتشمل الهيكل الحزبي بأكمله. يعاني الحزب من شح شديد في الموارد، وصعوبة في تغطية نفقات التشغيل الأساسية لمقراته في المحافظات، مما أدى إلى تراجع فاعليته في الشارع السياسي وانحسار دوره الجماهيري بشكل غير مسبوق.

وتكشف الأرقام الصادمة التي حصلنا عليها عن عمق الكارثة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الحزب ينوء تحت وطأة ديون متراكمة تصل إلى 130 مليون جنيه، وهو رقم مفزع يهدد بانهيار المعبد فوق رؤوس الجميع. والأخطر من ذلك، أن الحزب يحتاج، لضمان استمرارية عمله وتشغيل مقراته وجريدته بالحد الأدنى، إلى ضخ سيولة مالية لا تقل عن 24 مليون جنيه سنويا، وهذا المبلغ هو فقط لتغطية النفقات الجارية التشغيلية، بخلاف الحاجة الماسة لجدولة وسداد الديون المتلتلة.

هذا الضعف المالي واكبه تآكل سياسي حاد، حيث غرق الحزب في السنوات الأخيرة في صراعات داخلية وانشقاقات أضعفت من تماسكه، وجعلت صوته خافتا في القضايا الوطنية الكبرى، مقارنة بتاريخه الطويل كقائد للحركة الوطنية.

الانتخابات الرئاسية لحزب الوفد.. فرصة للحل أم إعادة تدوير للأزمة؟

وسط هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، تأتي انتخابات رئاسة الحزب كحدث مفصلي. يتقدم للمنافسة عدد من الأسماء البارزة داخل البيت الوفدي، كل منهم يمني النفس بالجلوس على مقعد سعد زغلول ومصطفى النحاس. نظريا، يجب أن تكون هذه الانتخابات هي نقطة التحول لبدء عملية “إنقاذ شامل”.

لكن الواقع العملي يطرح تساؤلات مقلقة. فبينما يتم استيفاء الأوراق الرسمية للترشح (كما في نماذج ملفات الترشح الروتينية)، لم يقدم أي من المرشحين الأبرز حتى الآن “خطة طوارئ اقتصادية وإدارية” معلنة ومفصلة بالأرقام والآليات للخروج من عنق الزجاجة.

ملف “شيكات النواب” الورقية.. اللغم المسكوت عنه

وإمعانا في تعقيد المشهد المالي، يبرز على السطح ملف شائك آخر يمثل “لغما” حقيقيا في وجه أي قادم جديد لمقعد الرئاسة؛ وهو ملف مديونيات ومستحقات الحزب طرف نوابه. فقد تكشفت حقائق صادمة عن أن جزءا كبيرا من التبرعات التي قدمها نواب الحزب الحاليين كانت عبارة عن “شيكات ورقية” تفتقر إلى أي ضمانات حقيقية للسداد، مما يجعلها حبرا على ورق في كثير من الأحيان، ويزيد من وهم الموارد المالية المتاحة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل مستحقات مالية ضخمة ومتأخرة للحزب طرف نواب برلمان 2020 لم يتم تحصيلها حتى الآن، إضافة إلى الضبابية التي تحيط بالالتزامات المالية للنواب الطامحين للترشح باسم الحزب في انتخابات برلمان 2025، مما يضع علامات استفهام كبرى حول جدية الالتزام المالي الحزبي وقدرة الإدارة القادمة على تحصيل حقوق المؤسسة المهدرة.

السؤال الصعب: هل يمكن الحل “على بياض” في ظل هذه الأرقام؟

تكمن المعضلة الحقيقية في أن طبيعة الأزمة الحالية في الوفد ليست سياسية بحتة يمكن حلها بالتوافقات أو الشعارات الحماسية عن “استعادة أمجاد الماضي”. إنها أزمة “أرقام مرعبة وديون بمئات الملايين وهيكلة”.

وهنا يبرز التساؤل المحوري الذي يطرحه المراقبون وقواعد الحزب بقلق بالغ: ما مدى إمكانية نجاح أي مرشح، مهما بلغت شعبيته أو تاريخه، في حل هذه المشاكل المعقدة، وتوفير 24 مليون جنيه سنويا، وسداد 130 مليون جنيه ديون، وتحصيل شيكات النواب الورقية، في ظل عدم تقدمه ببرنامج محدد سلفا؟

إن غياب الرؤية التفصيلية المعلنة يثير مخاوف مشروعة من أن الرئيس القادم للحزب سيصطدم في يومه الأول بجبل الجليد المالي، وقد يجد نفسه غارقا في إدارة “الإفلاس” بدلا من إدارة “الإنقاذ”، إذا لم يكن مسلحا بخطط جاهزة للتمويل، وإعادة هيكلة المؤسسة الصحفية، وضبط الإنفاق، واستحداث موارد جديدة حقيقية وليست وهمية.

الوفد في انتظار “الجراح” لا “السياسي”

إن حزب الوفد اليوم لا يحتاج فقط إلى زعيم سياسي يلقي الخطب الرنانة، بل يحتاج إلى ما يشبه “رئيس مجلس إدارة لشركة قابضة متعثرة”، يمتلك مشرط جراح وقدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية مؤلمة ولكنها ضرورية للبقاء.

إن استمرار المرشحين البارزين في الاعتماد على رصيدهم الشخصي دون تقديم برامج إنقاذ مزمنة وواضحة المعالم تتعامل مع هذه الأرقام الفلكية للديون والاحتياجات، يضع مستقبل الحزب وجريدته على المحك. فالناخب الوفدي هذه المرة لا يختار فقط رئيسا للحزب، بل يختار بين استمرار المحاولات اليائسة للإنعاش، أو كتابة السطر الأخير في تاريخ أعرق مؤسسة حزبية وصحفية في مصر الحديثة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى