شباك نورملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب.. الخديوي إسماعيل (٣) أُغرق السفينة في بحر الديون فابتلعته الأمواج كالفأر الميت

لحظةُ الخلعِ لم تكن قرارًا سياسيًا فقط،
كانت تخلِّيًا كاملًا،
تخلِّي الجميع عن رجلٍ
حين صار عبئًا،
وكأنَّ التاريخَ قرَّر أن يُلقيه في عرضِ البحر،
فارًا ميتًا،
لا يُسأل عنه،
ولا يُرثى،
ولا يُنتظر عودته.

خرجَ إسماعيل من القاهرة
كما يخرجُ الظلُّ من الجسد،
بلا مقاومة،
ولا صخب،
ولا محاولة إنقاذ،
بعد أن صار الدينُ
التهمة الجاهزة،
والفاتورة المؤجلة،
والحبلَ الذي التفَّ حول العرش
حتى اختنق.

ركبَ «المحروسة»
لا بوصفه خديويًا،
بل بوصفه عبئًا تمَّ التخلُّص منه،
وحين ابتلعَهُ البحرُ المتوسط
في طريقه إلى نابولي،
بدأ عصرٌ جديد
قبل أن تجفَّ أمواجُ الوداع،
عصرٌ وُلدَ مثقلاً
بديونٍ لم ترحل،
وبفاتورةٍ لم تُغلق،
وبنموذجٍ صار لاحقًا
درسًا قاسيًا
في الإنفاق غير الرشيد
والتوريط السياسي.

لم يخرج الرجل وحده،
خرجت معه لحظةٌ كاملة من الوهم،
وأسلوبُ حكمٍ
اشترى الحداثةَ بالأجل،
واستدان ليُبهِر،
وأنفق ليُدهِش،
ثم اكتشف متأخرًا
أن الاستعراض
لا يصنع دولة،
وأن القصور
لا تحمي القرار،
وأن الدين
حين يتقدَّم
يتراجع الاستقلال.

كان المشهدُ الإنساني
أقسى من السياسة،
أبٌ يُودِّعُ عرشًا
ويُسلِّمُ الابنَ
أرضًا مثقلة،
وحكمًا محاطًا بالشك،
ومستقبلًا
تقدَّم فيه الحساب
على الحلم،
والقيد
على الطموح.

لم يكن الحزنُ حكرًا عليه،
لكنَّ الشماتةَ كانت أعلى صوتًا،
كأنَّ الجميع
أراد أن يُغلق الصفحة
بسرعة،
وأن يُحمِّله وحده
وزرَ ما حدث،
لينجو الآخرون
من مرآة السؤال.

البحرُ لم يكن رحيمًا،
ولا الناس،
ولا حتى أقربُ المقرَّبين،
فالسلطةُ حين تسقط
تتبدَّل الوجوه،
وتصمت الأيدي،
ويصبح الماضي
شيئًا يُفضَّل نسيانه
لا مراجعته.

عاشَ إسماعيل منفاه
بين عواصم لا تشبهه،
يحملُ في ذاكرته
قاهرةً لم تعد له،
وقصورًا لم يعد يملك مفاتيحها،
وحلمًا كبيرًا
انكسر على صخرة الأرقام،
وظلَّ حتى آخر أيامه
يُراهن على عودة
لم تأتِ.

لم يكن سقوطُه سقوطَ فرد،
بل سقوطَ نموذج،
نموذجٍ خلطَ بين التحديث
والتبذير،
وبين الدولة
والمشهد،
وبين الأولويات
والزينة.

تركَ وراءه بلدًا
أقربَ إلى العالم،
وأبعدَ عن ذاته،
وأثقلَ كاهلًا،
وأضعفَ قرارًا،
وكان الثمن
ديونًا
مهَّدت الطريق
لتدخلٍ
لم يخرج منه التاريخ
بسلام.

لم يكن الخديوي إسماعيل
شيطانًا ولا قديسًا،
كان رجلًا
سبق عصره أحيانًا،
وتعثَّر به كثيرًا،
لكنَّ خطيئته الكبرى
أنَّهُ لم يُدرك
أن الدولة
لا تُبنى بالاستدانة،
ولا تُدار بالدهشة،
ولا تُحفظ
إذا ضاعت الأولويات.

هكذا خرجَ من المشهد،
وهكذا دخلَ التاريخ،
وجهًا لا يغيب،
لا لأنَّهُ انتصر،
بل لأنَّ سقوطه
صار تحذيرًا،
كلما تكرَّر المشهد،
وتغيَّرت الأسماء،
وبقيت الديون.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى