شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : وجوه لا تغيب .صبري أبو علم… زعيم استقلال القضاء الذي لم يجلس على منصاته

لا يأتي استدعاء اسم محمد صبري أبو علم في شهر مولده من باب الحنين، بل من باب الحاجة. في زمنٍ يئن فيه القضاء تحت أثقالٍ لا تخفى، نبحث عن معنى الاستقلال قبل أن نبحث عن نصوصه، وعن رجالٍ صنعوا الفكرة قبل أن تتحول إلى مواد قانونية جامدة.

وُلد محمد صبري أبو علم يوم الاثنين 2 يناير 1893 بمحافظة المنوفية، في لحظةٍ تاريخية كانت مصر فيها تتلمّس طريقها بين الاحتلال والنهضة، وكان القانون أحد ميادين الصراع الوطني لا أقلّ أهمية من الشارع والسياسة.

دخل مدرسة الحقوق، لا ليحترف مهنة، بل ليخوض معركة. ومنذ سنوات دراسته الأولى، انخرط في الحركة الوطنية، فدفع الثمن مبكرًا؛ فُصل بسبب نشاطه السياسي، وتأخر تخرجه إلى عام 1916، في واقعة تؤرخ لبدايات وعيٍ ربط بين الحرية والقانون.

جاءت ثورة 1919، فكان أبو علم أحد عقولها التنظيمية الشابة، يعمل في الظل بقدر ما يتكلم في العلن، مؤمنًا بأن الثورة فعلٌ طويل النفس، لا هتافًا عابرًا. في تلك السنوات، تبلورت لديه قناعة أن الاستقلال السياسي بلا قضاء مستقل يظل ناقصًا ومهددًا.

مع تأسيس الدولة الدستورية الحديثة، دخل البرلمان نائبًا في أول مجلس وفدي عام 1924، ذلك الرجل الذي أدرك مبكرًا أن معركة الاستقلال لا تُحسم إلا بتحرير القضاء من أي وصاية.

تولّى محمد صبري أبو علم وزارة العدل ثلاث مرات:
— 27 أبريل 1937 في وزارة مصطفى النحاس الرابعة،
— 4 فبراير 1942 في الوزارة الخامسة،
— ثم من 5 يوليو 1942 حتى 8 أكتوبر 1944 في الوزارة السادسة.
وفي كل مرة، لم يكن المنصب زينة سلطة، بل أداة إصلاح.

في عهده، وُضع كادر خاص للقضاء، وأُعدّ مشروع قانون استقلال القضاء، وتأسس نادي القضاة، في خطواتٍ مؤرخة تمثل البنية الأولى لما نطالب به اليوم وكأنه مطلب مستحدث، بينما هو في الحقيقة دين مؤجل منذ عقود.

لم يكن أبو علم قاضيًا يجلس على المنصة، لكنه كان رجل دولة فهم أن استقلال القاضي يبدأ من استقلال موقعه، وأمان معاشه، ووضوح مساره المهني. لذلك قال في إحدى مداخلاته البرلمانية عام 1943 إن «القاضي الذي يخشى غدَه لا يستطيع أن يحكم بعدل اليوم».

كان مصطفى النحاس يردد في جلسات مجلس النواب عام 1937 أن «استقلال القضاء هو صمام أمان الأمة»، وهي عبارة لم تكن شعارًا بل سياسة حكومية تُرجمت إلى قوانين ومؤسسات، كان أبو علم أحد مهندسيها القانونيين.

حين ننظر اليوم إلى أسماء عشنا في زمنها ودافعت عن استقلال القضاء، مثل المستشار يحيى الرفاعي، أو المستشار ممتاز نصار، فإننا لا نفعل ذلك لنقارن، بل لنفهم السلسلة. فهؤلاء لم يظهروا من فراغ، بل وقفوا على أرضٍ مهّدها رجال من طراز صبري أبو علم.

في مجلس الشيوخ عام 1945، عبّر أبو علم صراحة عن دعمه لتنظيم الملكية الزراعية، رابطًا بين العدالة الاجتماعية واستقلال القضاء، معتبرًا أن قضاءً يحمي امتيازات القلة لا يمكن أن يكون مستقلًا بحق.

امتلك الصحافة كما امتلك القانون. كان صاحب امتياز صحيفة «صوت الأمة»، واستخدمها منبرًا للدفاع عن السيادة الوطنية، وشارك في إعداد مشروعات إلغاء الامتيازات الأجنبية، مؤكدًا أن العدالة لا تعترف بأنصاف السيادات.

في واحدة من القضايا السياسية البارزة، سجّل عبد العزيز فهمي باشا في محضر جلسة بتاريخ 1946 أن مذكرة محمد صبري أبو علم تمثل «نموذجًا راقيًا لأداء المحامي»، رغم الخلاف السياسي بينهما، في شهادة نادرة من خصم لا مجاملة فيه.

لم يكن صبري أبو علم رجل صدام، بل رجل ميزان. يعرف متى يتقدم، ومتى ينسحب خطوة ليحفظ الفكرة. يزن كلماته كما يزن القاضي أحكامه، ويترك للصمت أحيانًا أن يكون أبلغ من البيان.

جاء رحيله مبكرًا يوم الأحد 13 أبريل 1947، عن عمر لم يتجاوز أربعة وخمسين عامًا. لكن الأعمار، كما التجارب، لا تُقاس بالسنوات بل بالأثر.

في جنازته، تعانق مصطفى النحاس ومكرم عبيد، رغم ذروة الخصومة السياسية بينهما، في مشهد مؤرخ لذلك اليوم. لم يكن وداع رجل فقط، بل اعترافًا صامتًا بأن بعض الرجال أكبر من الانقسام.

ونحن اليوم، في زمن تتجدد فيه الأسئلة حول القضاء، ونبحث فيه عن ضمانات حقيقية لا بيانات إنشائية، نحتاج أن نستدعي اسم محمد صبري أبو علم، لا لنبكي زمنًا مضى، بل لنفهم كيف بدأ الطريق، وأين انحرف، وكيف يمكن أن يعود.

فاستقلال القضاء ليس فكرة مستوردة، ولا مطلبًا طارئًا، بل سطرًا أصيلًا في تاريخ هذا الوطن، كتبه رجال آمنوا أن العدل إذا اختلّ، اختلّ معه كل شيء.

هكذا يبقى محمد صبري أبو علم وجهًا لا يغيب، لا لأننا عشنا في زمنه، بل لأن زمننا، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى ما مثّله اسمه… علمًا وعدلًا معًا.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى