
يصادف هذا العام مرور ثمانون عاما علي ميلاد ، صديقي العزيز فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، وستة عشر عامًا على توليه مشيخة الأزهر الشريف، وهي مناسبتان تستحقا التوقف عندهما تأملًا وتقديرًا لشخصية استثنائية، جمعت بين العلم العميق، والانفتاح الفكري، والحكمة التي تلهم الطمأنينة والسكينة لكل من حوله.
الصداقة والعلم: معرفتي بالدكتور أحمد الطيب
قبل أن يتولى الإمام الأكبر مشيخة الأزهر، كنت قد عرفته عن قرب، حيث كان رئيسًا لجامعة الأزهر وعضوًا فاعلًا في لجنة التعليم التي كنت مسئولًا عنها . منذ لقائنا الأول، لفت نظري عقله المستنير، واتساع أفق تفكيره، ومرونته في الحوار، وهي صفات نادرة لرجل يشغل منصبًا دينيًا رفيعًا في مؤسسة بحجم الأزهر.
د. أحمد الطيب ليس مجرد عالم في الفقه الإسلامي، بل هو فيلسوف، متصوف، ومثقف واسع الاطلاع، لا يهاب مناقشة القضايا الشائكة بعمق وتأصيل علمي، بل ويمتلك قدرة استثنائية على استيعاب الاختلاف وإدارته بحكمة.
منذ توليه المشيخة في مارس 2010، قاد الإمام الأكبر حركة إصلاحية في الأزهر، ساعيًا إلى تعزيز دوره كمؤسسة وسطية تدعو إلى التسامح، والتعايش، ونبذ التعصب والتطرف. وقد كان له أثر واضح في عدة ملفات جوهرية، منها:
- إحياء دور الأزهر كمرجعية مستقلة، بعيدًا عن التوظيف السياسي، وإعادة هيكلته ليتماشى مع تحديات العصر.
- تعزيز منهجية الحوار بين الأديان، وهو ما ظهر بوضوح في وثيقة “الأخوة الإنسانية” التي وقعها مع البابا فرنسيس، والتي مثلت إحدى أهم الخطوات في التقارب بين الإسلام والمسيحية.
- مواجهة الفكر المتطرف بحجج علمية وأسس شرعية رصينة، حيث كان ولا يزال صوتًا عقلانيًا ضد الغلو والتشدد.
- تطوير مناهج التعليم الأزهري لضمان توافقها مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على ثوابت الدين الإسلامي.
دور الأزهر في اللحظات الحاسمة:
بعد ثورة يناير ٢٠١١ وفي وقت ظهرت فيه بوادر الفوضي،
دعا الإمام كوكبة من المثقفين المصريين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والدينية مع عدد من كبار العلماء والمفكرين في الأزهر الشريف، وتدارسوا خلال اجتماعات عدة مقتضيات اللحظة التاريخية الفارقة التي تمر بها مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وأهميتها في توجيه مستقبل مصر نحو غاياته النبيلة وحقوق شعبها في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية
حددت الوثيقةً التي أُعلنت، المبادئ الحاكمة لفهم علاقة الإسلام بالدولة في المرحلة الدقيقة الراهنة، وذلك في إطار استراتيجية توافقية، ترسُم شكل الدولة العصرية المنشودة ونظام الحكم فيها، وتدفع بالأمة في طريق الانطلاق نحو التقدم الحضاري، بما يحقق عملية التحول الديمقراطي ويضمن العدالة الاجتماعية، ويكفل لمصر دخول عصر إنتاج المعرفة والعلم وتوفير الرخاء والسلم، مع الحفاظ على القيم الروحية والإنسانية والتراث الثقافي؛ وذلك حماية للمبادئ الإسلامية التي استقرت في وعي الأمة وضمير العلماء والمفكرين من التعرض للإغفال والتشويه أو الغلوّ وسوء التفسير، وصوناً لها من استغلال مختلف التيارات المنحرفة التي قد ترفع شعارات دينية طائفية أو أيدلوجية تتنافى مع ثوابت أمتنا ومشتركاتها، وتحيد عن نهج الاعتدال والوسطية، وتُناقِض جوهر الإسلام في الحرية والعدل والمساواة، وتبعدُ عن سماحة الأديان السماوية كلها.
تكلمت الوثيقة علي تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة . ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف فى الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع للمسلمين ، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية فى قضايا الأحوال الشخصية.
كذلك اقر المجتمعون اعتماد النظام الديمقراطي، القائم على الانتخاب الحر المباشر، الذي هو الصيغةَ العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسئولين أمام ممثلي الشعب ، وإدارة شئون الدولة بالقانون – والقانون وحده- وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها.
التزمت الوثيقة بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية فى المجتمع،
و الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، مع اعتبار الحث على الفتنة الطائفية والدعوات العنصرية جريمة في حق الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتعويل عليهما في التعامل بين فئات الشعب المختلفة، دون أية تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين.
أعلن الإمام في الوثيقة الحرص التام على صيانة كرامة الأمة المصرية والحفاظ على عزتها الوطنية، وتأكيد الحماية التامة والاحترام الكامل لدور العبادة لأتباع الديانات السماوية الثلاث، وضمان الممارسة الحرة لجميع الشعائر الدينية دون أية مُعوِّقات، واحترام جميع مظاهر العبادة بمختلف أشكالها، دون تسفيهٍ لثقافة الشعب أو تشويهٍ لتقاليده الأصيلة، وكذلك الحرص التام على صيانة حرية التعبير والإبداع الفني والأدبي في إطار منظومة قيمنا الحضارية الثابتة .
لم ينسي الإمام تأكيد اعتبار التعليم والبحث العلمي ودخول عصر المعرفة قاطرة التقدم الحضاري في مصر، وتكريس كل الجهود لتدارك ما فاتنا في هذه المجالات، وحشد طاقة المجتمع كلّه لمحو الأمية، واستثمار الثروة البشرية وتحقيق المشروعات المستقبلية الكبرى.
في عام 2019، شهد العالم توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية بين شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، والبابا فرنسيس في أبوظبي، وهي خطوة غير مسبوقة في الحوار بين الأديان، حيث جاءت الوثيقة لتعزز قيم:
- السلام العالمي والتعايش المشترك
- نبذ الكراهية والتطرف باسم الدين
- حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية
ولعل من أبرز ما جاء في الوثيقة ويمثل وجدان الإمام:
“إن الأديان لم تكن أبدًا، ولا يجب أن تكون، سببًا في الحروب أو الصراعات أو الكراهية، بل عليها و على الدوام أن تكون دافعًا لنشر قيم المحبة والتآخي بين البشر.” والتأكيد على أهمية تعزيز مفهوم المواطنة الكاملة ونبذ مصطلح الأقليات الذي يحمل في طياته الإحساس بالتهميش والانتقاص من الحقوق.”
هذه الوثيقة اعتبرتها ، ليست مجرد اتفاق بين قيادتين دينيتين، بل هي رؤية حضارية تعكس إدراكًا عميقًا بأن التحديات التي يواجهها العالم اليوم، من تطرف وعنف وتفرقة، لا يمكن مواجهتها إلا عبر الوحدة والتعاون بين جميع الأديان والثقافات.
من يعرف الإمام الأكبر عن قرب، يدرك أن هدوءه الظاهر يخفي صلابة فكرية، وإصرارًا على التمسك بالمبادئ، وسعة صدر للحوار. في لقاءاتي معه، كنت دائمًا أشعر بالطمأنينة والسكينة، فهو رجل لا ينفعل بسهولة، ولا يرفع صوته إلا بالحجة والمنطق.
الإمام لديه قدرة مدهشة على الاستماع بعناية، وإعطاء كل رأي وزنه، دون تعصب أو إقصاء. إن إيمانه العميق بالعلم والفكر جعله منفتحًا على الفلسفة الحديثة، والنظريات العلمية، والتطورات الفكرية المعاصرة.
ماذا بعد؟
بعد مرور سته عشر عامًا على توليه مشيخة الأزهر، لا شك أن الإمام الأكبر ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ المؤسسة، وفي مسيرة الإصلاح الديني والفكري في العالم الإسلامي.
لكن التحديات لا تزال قائمة. فمع تزايد خطاب الكراهية، والتفسيرات المغلوطة للدين، والصراعات الفكرية داخل المجتمعات الإسلامية، يبقى دور الأزهر، بقيادة د. أحمد الطيب، أساسيًا في تعزيز الخطاب الديني الوسطي، ومحاربة التشدد، وترسيخ قيم التعايش السلمي.
كلمة أخيرة
في عالم يموج بالصراعات والأزمات، وجود شخصية مثل د. أحمد الطيب في موقع القيادة الدينية ليس مجرد ضرورة، بل هو أمل في الحفاظ على توازن الفكر الإسلامي.
قد يختلف البعض معه، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أنه صوت للعقل، والحكمة، والاعتدال في زمن تشتد فيه الحاجة إلى الوسطية والتسامح.
لهذا، أجدني اليوم، وبعد ستة عشر عامًا من قيادته للأزهر، وثمانون عاما علي ميلاده ، أرفع له تحية تقدير واحترام، راجيًا له التوفيق في مهمته التي لا تزال مستمرة.
لا أنسي في هذا المقام أن أشكر مجلة الأزهر الشريف لدعوتي لكتابة مقال في هذه الذكري الهامة وعلي شجاعتهم في نشر مقالات لي فيها نقد فكري وفلسفة حول الاديان تخشي من نشرها الصحف اليومية أحيانا.
التحية والتقدير والمحبة والمودة والاحترام والتبجيل للصديق الإمام احمد الطيب.







