
شرحنا بالأمس كيف صعدَ علي خامنئي إلى منصبِ المرشدِ الأعلى للثورةِ الإيرانية، عقبَ استبدالِ فتوى «ولايةِ الفقيهِ» بفتوى «بولايةِ المجتهد».
وتعرّضنا للعلاقةِ بين حكمِ الملالي في طهران وواشنطن، وشرحنا كيفية تأرجحها بين التحدّي العلني والتعاونِ السري، وقدمنا العراق نموذجًا لتلك السياسة.
واليوم نتعرّضُ لدورِ خامنئي تحديدًا في كلِّ تلك الملفات، وكيفيةِ تعاونِه مع الأمريكيين في أفغانستان، ومحاولاتِه بناءَ نفوذٍ شيعيٍّ في المنطقة، عبر منظماتٍ كحزبِ الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وبعضِ المنظماتِ الفلسطينية في الأرضِ المحتلة.
دور خامنئي:
لقد كان لخامنئي الدور الأكبر فيما حدث في العراق، وهذا ما فضحته المراسلات السرية التي تم كشفها سابقًا والتي جرت بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما وخامنئي، والتي تظهر كم الغزل السياسي والصداقة المقربة بين الرجلين. وأول من كشف عن تلك المراسلات كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» استنادًا إلى مصدر دبلوماسي إيراني رفض كشف اسمه، أشار إلى أن آية الله خامنئي أرسل رسالة إلى أوباما ضمنها احتراماته، حيث مثلت تلك الرسالة ردًا متأخرًا بعض الشيء على رسالة الرئيس الأمريكي التي أرسلها له في شهر أكتوبر 2014 بشأن التعاون في مكافحة «الإرهاب»، في حال التوصل إلى اتفاق حول برنامج طهران النووي، وهو ما ظهر جليًا في زيارة أوباما بعد ذلك للسعودية لتقديم واجب العزاء في وفاة الملك عبد الله، حيث حث السعوديين على التفاهم مع إيران؛ ومنذ ذلك التاريخ (عام 2016) بدأ عقد جديد من التفاهمات السعودية الإيرانية ما زالت فصوله تتشكل حتى الآن.
أفغانستان:
يخطئ من يظن أن التعاون الأمريكي الإيراني بدأ أثناء وقبل غزو العراق بقليل، فقد مرت العلاقات الإيرانية الأمريكية بمراحل عديدة تأرجحت بين التعاون السري والعداء المعلن. ففي حرب واشنطن ضد الإرهاب في أفغانستان، كانت واشنطن في حاجة إلى مساعدة إيران في المراحل الأولى من الحرب، ولذلك سعت إلى حوار معها بكل الطرق وخاصة على المستوى الأمني، ولعبت بريطانيا دور الوسيط في ذلك الحوار.
من هنا، وبالرغم من الإدانة الإيرانية العلنية للغزو الأمريكي لأفغانستان، وذلك على لسان خامنئي «أننا نشجب الإرهاب بكل أشكاله ونعارض الحملة الأمريكية على أفغانستان، ونرفض الدخول في أي تحالف تقوده أمريكا»، فقد قامت إيران بتقديم الدعم الميداني للولايات المتحدة، حيث وافقت في أكتوبر 2001 على المساهمة في إنقاذ أي قوات أمريكية تتعرض لمشاكل في المنطقة، كما سمحت للولايات المتحدة باستخدام أحد موانئها لشحن القمح إلى مناطق الحرب في أفغانستان، وشاركت في الدعم العسكري لقوات التحالف الشمالي، حتى سيطرت على كابول.
لبنان:
كان قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الخميني دافعًا قويًا لنمو حزب الله، وذلك للارتباط المذهبي والسياسي بينه وبين القادة الجدد في طهران، رغم أنه سبق الوجود التنظيمي لحزب الله في لبنان، والذي يؤرخ له بعام 1982 وجود فكري وعقائدي يسبق هذا التاريخ. هذه البيئة الفكرية أرسى دعائمها العلامة الراحل محمد حسين فضل الله من خلال نشاطه العلمي في الجنوب اللبناني.
فالعلاقة بين حزب الله وخامنئي يتداخل فيها البعد السياسي والديني، فبعض اللبنانيين الشيعة الذين يمثلون كوادر حزب الله، تربطهم بالمرجعيات الدينية الإيرانية روابط روحية عميقة، ويعتبر خامنئي أكبر مرجعية دينية بالنسبة لهم. ويُطلق على أمين عام حزب الله دائمًا «الوكيل الشرعي لآية الله خامنئي».
والحزب لا ينكر علاقته الوثيقة بإيران وأنه يتلقى كل الدعم السياسي والمالي من خامنئي مباشرة، الأمر الذي يشير بوضوح لا لبس فيه أن الحزب ما هو إلا كيان إيراني على أرض لبنانية. وقد استفادت إيران منه كثيرًا؛ فهي من جهة تمكنت من تحسين صورتها أمام المجتمع السني بعد حرب عام 2006 بين الحزب وإسرائيل، بعد أن ساءت صورتها كثيرًا خلال حربها الطويلة مع صدام حسين، ومن جهة أخرى ظهرت بمظهر البلد الذي يواجه إسرائيل وواشنطن.
وبالأخير كان حزب الله الورقة الرابحة بيد إيران التي يستطيعون استخدامها وقتما يشاءون في الضغط على أمريكا وإسرائيل، قبل أن يصبح الآن عبئًا كبيرًا على الدولة اللبنانية يهدد بقائها واستقرارها.
ورقة فلسطين:
بعد انتصار الثورة الإيرانية، سارع النظام الجديد في طهران برعاية الخميني إلى رفع شعار القضية الفلسطينية، وسلّم مفاتيح السفارة الإسرائيلية في طهران إلى الراحل ياسر عرفات، لتصبح سفارة دولة فلسطين. فقد أدرك نظام الملالي أن بوابة القضية الفلسطينية ستؤمن ممرًا آمنًا إلى الداخل العربي، واستخدمت «التقية السياسية» في سبيل إنجاح هذه الخدعة، التي انطلت على الشعوب العربية المتعطشة لانتصارات حتى وإن كانت مجرد شعارات.
فلم تكن طهران يومًا من الأيام ترغب مطلقًا في حل القضية الفلسطينية، لأنها حينها ستخسر هذه الأداة التي تؤهلها بقوة للتدخل في الشأن العربي. وتكرر موقفها الرافض لأي مبادرة عربية تهدف إلى وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، بل وكل المبادرات التي هدفت إلى رأب الصدع الفلسطيني بين الأشقاء وتحقيق الوحدة الداخلية. والشواهد على ذلك عديدة، ربما نفرد لها مقالًا مستقلًا أيضًا، وبخاصة ما يتعلق بمجهودات الجانب المصري لتوحيد الداخل الفلسطيني حول قيادة واحدة وبرنامج سياسي ونضالي مشترك، والتي بدأت عام 1998 على يد المرحوم اللواء عمر سليمان وتحطمت على صخرة الرفض الإيراني عام 2009 عندما رفضت حركة حماس التوقيع على المشروع النهائي الذي تولد عن الحوار الفلسطيني الفلسطيني الذي جرى عبر جولات عديدة في القاهرة، متعللين بأنهم يرفضون وضع أيديهم في أيدي محمود عباس «أبو مازن».
إن سعي إيران لإبقاء القضية الفلسطينية دون حل، يكمن في محاولتها الدائمة استمرار الشرخ بين الفلسطينيين أنفسهم، من خلال دعم طهران الكامل لحركة حماس والجهاد الفلسطيني لعقود عديدة، والحيلولة دون توصل الفريقين الفلسطينيين المتصارعين «فتح وحماس» إلى توافق وطني يوحد كلمتهم في مواجهة المحتل.
فالنظام الإيراني لا يملك سوى ورقتين رئيسيتين يستخدمهما للتدخل في الشأن العربي؛ إحداهما مزاعم الدفاع عن الأقليات الشيعية في العالم العربي، بينما يضطهدون السنّة في الداخل لأسباب عرقية، والأخرى ورقة القضية الفلسطينية التي يفضل عرقلة حلها لضمان استمرار تدخله الدائم في الشأن العربي.
إيران وكابوس الربيع العربي:
كانت الخطبة الشهيرة، التي ألقاها خامنئي باللغة العربية، في جمعة 28 يناير 2011 بمثابة رسالة واضحة للإخوان الذين كانوا يحتلون الميدان.
لقد أراد خامنئي من وراء الخطبة التي وجهها، إيهام الشارع الإيراني أن خامنئي ونظامه يحظون بشعبية كبيرة في العالم العربي، تمكنهم من التأثير في الأحداث القائمة آنذاك. حيث بدأ النظام الإيراني ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع أحداث ما سُمي بثورات الربيع العربي، في الادعاء بأن تلك الثورات مستلهمة من التجربة الإيرانية في عام 1979، وبدأ الإعلام الإيراني الرسمي يهتم بإظهار الثورات العربية بشكل إيجابي، باستثناء الثورة السورية نظرًا لتحالفه مع النظام السوري آنذاك، وبدأ معها الترويج لآية الله خامنئي كإمام لهذه الثورات، وبهذا يتغير اسم إيران من جمهورية إلى إمامة، وبذلك يصبح خامنئي قائد المسلمين في العالم.
وفي سعيه لتزييف الحقائق، لجأ خامنئي للحليف والشيطان الأكبر، جماعة الإخوان الإرهابية. فلا يستطيع أحد أن ينسى عصر التقارب الإخواني الإيراني إبان حكم محمد مرسي في مصر، وزيادة التمثيل الدبلوماسي والتعاون الذي وصل إلى استقدام رئيس الحرس الثوري الإيراني آنذاك، قاسم سليماني، لإنشاء حرس ثوري إخواني على غرار الإيراني للتصدي لأعداء الجماعة في مصر وفي مقدمتهم رجال الجيش والشرطة.
إن أوهام علي خامنئي في زعامة المنطقة هي ما أوصلت إيران إلى هذا المأزق، وتهديد ترامب الأخير بضرورة رحيله لا يأتي من فراغ؛ فهناك معلومات موثقة من داخل إيران وخارجها تؤكد نهاية دور خامنئي ونهاية «حكم الملالي» ليس فقط في إيران ولكن نهاية كافة أذرعتهم في المنطقة.
وأن غدًا لناظره قريب.
باريس: الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.







