
لم يعد حوض البحر الأبيض المتوسط في الرؤية الأميركية مجرد مساحة جغرافية فاصلة بين ثلاث قارات، بل بات لوحة واحدة مترابطة، تُدار كوحدة نفوذ متكاملة تمتد من السواحل الليبية غربًا إلى الشاطئ اللبناني شرقًا. في هذه اللوحة، تتقاطع الطاقة مع الأمن، والاستثمار مع الجغرافيا السياسية، وتُعاد صياغة أدوار الدول لا وفق تاريخها فقط، بل وفق موقعها الوظيفي في الاستراتيجية الأميركية الأوسع لإعادة ضبط موازين القوة في المتوسط.
ضمن هذا الإطار، تبرز ليبيا ولبنان كنقطتي ارتكاز أساسيتين، لكن بوظيفتين مختلفتين. ليبيا تمثل “المختبر”، حيث تُختبر القدرة الأميركية على تفكيك الأزمات المركّبة وإعادة تجميع الدولة بما يسمح بفتحها أمام الاستثمارات الكبرى. أما لبنان، فيجري العمل على “إعادة تعريفه” سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، بما يحوّله إلى نقطة ضبط واستقرار على الضفة الشرقية للمتوسط، في بيئة إقليمية شديدة السيولة.
في الحالة الليبية، تدرك واشنطن أن العائق الأكبر أمام الاستثمار ليس نقص الموارد، بل تفكك الداخل وصراع الوكلاء. ليبيا تعاني انقسامًا سياسيًا حادًا، وتعددًا في مراكز القوة، وتداخلًا بين المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل أي مشروع اقتصادي واسع عرضة للابتزاز الأمني أو الانهيار السياسي. لهذا، كان لا بد من مقاربة مختلفة، هادئة وغير صدامية، تقوم على تفكيك العقد واحدة تلو الأخرى، بدل القفز فوقها.
هنا يبرز دور المبعوث الأميركي الخاص مسعد بولس، الذي يشرف على الملف الليبي بعيدًا عن الأضواء. اعتمد بولس أسلوب العمل الصامت، القائم على إدارة التناقضات بدل مواجهتها، وعلى خفض منسوب التوتر بين الأطراف المتصارعة، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بعودة تدريجية للثقة. النتائج التي تحققت حتى الآن، وإن لم تُعلن رسميًا، توصف داخل الأوساط الدبلوماسية بأنها “مذهلة” قياسًا بتعقيد المشهد الليبي، إذ جرى احتواء مساحات من الصراع، وفتح قنوات تفاهم غير مباشرة، تمهيدًا لتحويل ليبيا إلى ما يمكن وصفه بـ“لؤلؤة المتوسط” نظرًا لمقدراتها الهائلة في الطاقة والموقع والموارد.
أما لبنان، فتتعامل معه واشنطن من زاوية مختلفة. فالمسألة هنا لا تتعلق بدولة فاشلة بالمعنى الكلاسيكي، بل بدولة منهكة، محكومة بتوازنات داخلية دقيقة، ومشدودة إلى صراعات إقليمية تتجاوز قدرتها. في هذا السياق، يبرز تركيز أميركي متزايد على بناء حضور سياسي وأمني واقتصادي كثيف، يشبه من حيث الوظيفة “مظلّة حماية” واسعة. الحديث المتداول في الكواليس عن بنية نفوذ أميركية ضخمة، سياسية وأمنية واقتصادية، يوحي بأن لبنان يتجه ليكون أقرب إلى محمية أميركية غير معلنة، بعد إدخال تعديلات جوهرية على صلب نظام حكمه وآليات قراره.
الهدف الأميركي هنا ليس السيطرة المباشرة، بل إعادة هندسة الدولة اللبنانية بما يضمن الاستقرار، ويحدّ من نفوذ الخصوم، ويحوّل لبنان إلى نقطة ارتكاز ثابتة في شرق المتوسط. خصوصًا في ملفات الطاقة والحدود والأمن البحري. بهذا المعنى، يصبح لبنان جزءًا من معادلة المتوسط الكبرى، لا مجرد ساحة داخلية لأزماته الخاصة.
ما يجمع بين ليبيا ولبنان، رغم اختلاف السياق، هو أن واشنطن تنظر إليهما كفرص لا كمشاكل فقط. ليبيا فرصة استثمارية هائلة إذا ما أُنجز الحد الأدنى من الاستقرار، ولبنان فرصة جيوسياسية لضبط التوازنات في منطقة حساسة. وبين هذين النموذجين، تتبلور رؤية أميركية أوسع تقوم على تحويل المتوسط إلى فضاء نفوذ مُدار، تُنشأ فيه مراكز ثقل متكاملة، تُمسك بخيوط الطاقة والأمن والسياسة في آن واحد.
في المحصلة، الرهان الأميركي على المتوسط ليس عابرًا ولا تكتيكيًا، بل هو مشروع طويل النفس، تُختبر أدواته في ليبيا، ويُعاد تعريف ملامحه في لبنان. وما يجري اليوم قد لا يكون سوى الفصل الأول من إعادة رسم خريطة النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيرًا.







