شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب . يوسف الجندي… رئيسُ جمهوريةٍ في زمنِ الملكيّة

ليست كلّ الجمهوريات مولودةً في القصور، ولا كلّ الرؤساء خرجوا من صناديق السلطة. بعض الجمهوريات وُلدت من الغضب، من العرق، من كرامةٍ جُرحت فرفضت أن تنكسر. وبعض الرؤساء لم يحملوا أختام الدولة، بل حملوا وجدان الناس، ومضوا أمامهم خطوةً حين تردّد الآخرون. في تاريخ مصر لحظات سبقت زمنها، كأنها خرجت من المستقبل لتذكّر الحاضر بما كان ممكنًا… وبما ما زال ممكنًا.

قبل أن تُكتب كلمة «جمهورية» في الدساتير، وقبل أن تسقط الملكية بسنوات طويلة، خرجت من قلب الريف المصري تجربة تقول إن الشعب حين يملك وعيه، يملك قراره. لم تأتِ من القاهرة، ولا من شرفات السياسة، بل من مدينةٍ قرّرت أن تكون أكبر من حدودها، وأوسع من جغرافيتها. هناك، في زفتى، وُلدت جمهورية بلا اعتراف دولي، لكنها حازت اعتراف التاريخ.

في تلك اللحظة الفاصلة من عام 1919، لم يكن السؤال: من يحكم مصر؟ بل: من يملك الحق في أن يقول «نحن هنا»؟ كان الاحتلال البريطاني يظن أن السيطرة على العاصمة تعني السيطرة على البلاد، فجاءه الرد من مدينة صغيرة أعلنت العصيان، لا بالفوضى، بل بالتنظيم، ولا بالصوت العالي، بل بالفعل المحسوب.

في قلب هذه اللحظة وقف يوسف الجندي، لا بوصفه زعيمًا يبحث عن مجد، بل مواطنًا أدرك أن الوطنية ليست انتظارًا لزعيم، بل استعدادًا لتحمّل المسؤولية حين يغيب الزعيم. لم يتقدّم الصفوف بخطبة، بل بخطة. لم يرفع شعارًا، بل رفع مدينة بأكملها إلى مستوى الفكرة.

هكذا، ومن قلب الريف، خرجت أول جمهورية مصرية حقيقية في زمن الملكية. لم تدم طويلًا، لكنها قالت ما لم تستطع أن تقوله الخطب ولا العرائض ولا الوفود. قالت إن المصريين قادرون على الحكم حين يثقون بأنفسهم، وإن الاستقلال يبدأ حين يجرؤ الناس على تخيّله.

ومن هنا تبدأ الحكاية… حكاية رجلٍ صار رئيسًا بلا كرسي، وجمهوريةٍ قامت بلا دستور، لكنها بقيت في الذاكرة أطول من أنظمة كاملة.

في عام 1919، حين كانت البلاد تغلي بثورةٍ تبحث عن ذاتها، أدرك يوسف الجندي أن الوطنية ليست خطبةً تُلقى، بل تنظيمٌ يُدار. لم ينتظر إشارة من العاصمة، ولم يطلب مباركة من سلطة، بل جمع أهل مدينته، ورتّب الصفوف، وأعلن أن الاحتلال ليس قدرًا أبديًا.

هكذا قامت جمهورية زفتى. لم تكن جمهوريةً مكتوبة بالحبر، بل محفورة بالفعل. سيطر الأهالي على مركز الشرطة، أمسكوا بالتلغراف، أداروا السكة الحديد، ورفعوا راية مصر في وجه الإمبراطورية البريطانية. لحظة قصيرة في الزمن، لكنها طويلة في الذاكرة.

لم يكن يوسف الجندي حالمًا ساذجًا، ولا مغامرًا بلا حساب. كان يعرف أن الاحتلال لا يرحم من يكشف ضعفه، وأن المبادرات الشعبية تُربك أكثر مما تُغضب. ومع ذلك، مضى في طريقه، لأن بعض الطرق لا تُقاس بفرص النجاح، بل بضرورة السير فيها.

في القاهرة، كان سعد زغلول يقود ثورة الأمة، وكانت أفكاره عن الشرعية الشعبية تجد صداها في مدنٍ مثل زفتى. لم تكن العلاقة بين يوسف الجندي والوفد علاقة تنظيمٍ صارم، بل علاقة روح وفكرة. الوفد كان لسان الثورة، وزفتى كانت صوتها الشعبي حين اشتدّ الخناق.

سعد زغلول، الذي آمن بأن الأمة هي مصدر السلطات، رأى في التجارب الشعبية مثل جمهورية زفتى دليلًا على أن المصريين قادرون على إدارة شؤونهم حين يُرفع عنهم القيد. كانت زفتى شهادةً حيّة على أن الثورة ليست حكرًا على النخب، وأن الريف قد يسبق المدن في إدراك المعنى.

لم تعمّر الجمهورية طويلًا. عاد الاحتلال، وعادت الإدارة الرسمية، وسقط الشكل وبقي الجوهر. بقيت التجربة تقول إن مصر جرّبت الجمهورية مبكرًا، لا كنظام حكم، بل ككرامة جماعية، وكفعل مقاومة منظم.

عاش يوسف الجندي بعد ذلك سنواته في صمتٍ ثقيل. لم يُكافَأ بما يليق بالمبادرة، ولم يُصنع له تمثال في الميادين. حمل معاناته الإنسانية بعيدًا عن الأضواء، وظل وفيًّا للفكرة التي آمن بها حتى رحيله في عام 1941، قبل أن يرى مصر تغيّر شكل الحكم، لكنه رأى ما هو أعمق: وعي الناس.

اليوم، يحمل اسمه شارع في زفتى وآخر في القاهرة، ومجسمٌ لصورته في معرض «وجوه لا تغيب» بجمعية الشرق للثقافة في إسطنبول، لكن كثيرين يمرّون دون أن يعرفوا الحكاية. لا يعرفون أن هذا الاسم كان يومًا عنوانًا لجمهورية خرجت من قلب الريف، ووقفت في وجه إمبراطورية، وكتبت سطرًا مبكرًا في كتاب الحرية.

وجوه لا تغيب… لأن بعض الرجال لا يحتاجون إلى قصرٍ ليصنعوا دولة، ولا إلى تاجٍ ليصيروا رؤساء. يكفيهم أن يقولوا «لا» في اللحظة الصحيحة، فتتّسع المدينة، ويضيق الاحتلال، ويولد الحلم من جديد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى