
في السنوات الأخيرة، ومع كل اقتراب لذكرى الخامس والعشرين من يناير، يتجدد مشهد مألوف في الإعلام المحسوب على السلطة في مصر: محاولة إعادة كتابة الثورة بوصفها “مؤامرة” لا انتفاضة شعبية، واتهامها اليوم بما جرى بالأمس، وكأن النظام الذي استقر بعد 2013 ما زال يشعر أن يناير خطرٌ لم يُغلق ملفه بعد. وفي قلب هذا المشهد يعود إلى السطح مقال قديم نُشر في أبريل 2009 للصحفي أحمد موسى، يتحدث فيه عن ما سماه آنذاك «المؤامرة الكبرى ضد مصر»، ويزعم امتلاكه وثائق “خطيرة” تنبأت بأحداث لاحقة، دون أن يكشف عن مصدر تلك الوثائق، أو ينشرها، أو يضعها تحت أي فحص مهني أو تاريخي.
إعادة إحياء هذا المقال اليوم ليست صدفة، بل تعبير واضح عن مأزق سردي يواجهه إعلام السلطة: كيف يُجرَّم حدثٌ اعترفت به الدولة نفسها لاحقًا بعد أن أشادت به؟ وكيف تُدان ثورة وُصفت رسميًا في الدستور بأنها “ثورة”؟ وكيف تُشيطن لحظة تاريخية سبق للنظام ذاته أن احتفى بها، ثم عاد اليوم ليحاكمها بأثر رجعي؟
جوهر الإشكال في الاستناد إلى مقال أحمد موسى المنشور عام 2009 لا يتعلق بالاختلاف السياسي في تفسير يناير، بل بالمعايير المهنية والعقلية التي يُراد فرضها على الوعي العام. المقال، وفق ما هو متداول عنه، يقوم على ادعاء وجود “وثائق سرية” تحذر من مؤامرة كبرى، دون نشر تلك الوثائق، أو تحديد مصدرها، أو إخضاعها لأي مراجعة مستقلة. نحن هنا أمام حكاية تُروى لا وثيقة تُقدَّم، وأمام سردٍ يُطلب من القارئ أن يصدقه إيمانًا لا فحصًا.
سياسيًا، هذا النوع من الخطاب لا يصمد أمام أبسط سؤال: إذا كانت هناك وثائق حقيقية بهذا الحجم والخطورة، لماذا لم تُنشر حتى اليوم؟ ولماذا لم تُقدَّم للرأي العام بعد 2011؟ ولماذا لم تُستخدم أمام القضاء أو في لجان التحقيق الرسمية؟ إن الاعتماد على “قال لي مصدر” بعد أكثر من عقد ونصف، دون أي دليل ملموس، يحوّل المقال من “سبق صحفي” إلى أسطورة سياسية تُستدعى عند الحاجة.
المفارقة الأكبر أن الدولة المصرية نفسها اعترفت بثورة يناير. دستور 2014 – الذي وُضع بعد الانقلاب – نص صراحة على أن 25 يناير ثورة للشعب المصري. كما أن السنوات الأولى بعد 2013 شهدت مظاهر احتفاء رسمية: خطابات تتحدث عن “ثورتي يناير ويونيو”، فعاليات إعلامية، وأغانٍ وطنية، وحتى متاحف ومعارض استحضرت يناير بوصفها محطة في “تاريخ الدولة”.
السؤال المنطقي هنا: إذا كانت يناير “مؤامرة”، فلماذا اعترف بها الدستور؟
وإذا كانت “جريمة”، فلماذا احتفى بها النظام سنواتٍ طويلة؟ وإذا كانت “خديعة خارجية”، فلماذا لم تُلغَ من الذاكرة الرسمية منذ اليوم الأول؟
الإجابة الوحيدة المتسقة هي أن الموقف من يناير ليس تاريخيًا ولا قانونيًا، بل سياسي ظرفي. يُستدعى الاعتراف بها حين تكون جزءًا من شرعية الدولة، وتُستدعى شيطنتها حين تصبح مرجعية ثورية تُقارن بها الأوضاع الراهنة.
الإصرار الحالي على إعادة اتهام يناير لا ينبع من بحث أكاديمي أو مراجعة وطنية، بل من قلق سياسي عميق. فالثورة، رغم هزيمتها السياسية، ما زالت حاضرة في الوعي العام كمخرج وكـ”إمكانية”. وكلما تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، عاد السؤال الذي حاول النظام دفنه: لماذا خرج الناس أصلًا؟
شيطنة يناير هنا تؤدي ثلاث وظائف: تبرئة الاستبداد السابق، فحين تُصوَّر الثورة كمؤامرة، يصبح نظام مبارك “دولة مستقرة” لا نظامًا فاسدًا، وتتحول المطالب الشعبية إلى عبث مدفوع من الخارج. ثم تأتي بعد ذلك وظيفة تبرير الحاضر، فإذا كانت يناير هي سبب الفوضى، فالاستبداد الحالي يصبح “ضرورة”، لا خيارًا. والوظيفة الثالثة هي تخويف المستقبل، حيث الرسالة الضمنية للمجتمع هي: لا تفكروا مرة أخرى، فالثمن سيكون الخراب.
الخطاب الذي يحاول إلصاق تهمة المؤامرة بيناير يتجاهل حقيقة بسيطة: الثورات لا تُصنع بالمقالات ولا بالوثائق السرية. يناير انفجرت لأن شروطها كانت موجودة: فساد مستشرٍ، وانسداد سياسي، وتعذيب، وفقر، وبطالة، وإهانة يومية للمواطن. لم يحتج ملايين المصريين إلى “وثيقة” كي ينزلوا، بل إلى كرامة مهدورة.
والأهم، لو كانت يناير مؤامرة خارجية، لما شارك فيها هذا الطيف الواسع من المجتمع، ولما خرجت من السويس إلى الإسكندرية إلى الدلتا إلى الصعيد، ولما سقط آلاف الشهداء في أيام قليلة. المؤامرات تُدار في الغرف المغلقة، أما الثورات فتولد في الشوارع.
ما يفعله إعلام السلطة اليوم هو تسييس الماضي لا فهمه. فبدلًا من فتح نقاش وطني جاد حول أخطاء الثورة، وأخطاء القوى السياسية، وأخطاء الدولة، يجري اختزال كل ذلك في سردية واحدة: “المؤامرة”. وهذه السردية، رغم بساطتها الدعائية، خطيرة لأنها تُغلق باب التعلم من التاريخ.
الأمم التي تتقدم لا تشيطن ثوراتها، بل تدرسها. لا تنكر آلامها، بل تفهم أسبابها. أما تحويل يناير إلى “جريمة أصلية” فمعناه أن الدولة تعلن عجزها عن مواجهة أسئلتها الحقيقية: العدالة، الحرية، توزيع الثروة، والكرامة الإنسانية.
في النهاية، لا أرى المشكلة في مقال كُتب عام 2009، ولا في صحفي يزعم امتلاك وثائق لم يرها أحد، بل في إصرار السلطة على محاكمة يناير بدل محاكمة أسبابها. فالثورة ليست حدثًا يُلغى ببرنامج تلفزيوني، ولا ذاكرة تُمحى بمقال قديم. يناير كانت – وما زالت – سؤالًا مفتوحًا: لماذا ثار الناس؟ ولماذا عاد القمع؟ ولماذا تتكرر الأزمات؟
الهروب من هذا السؤال عبر “نظرية المؤامرة” قد يُريح الخطاب الرسمي مؤقتًا، لكنه لا يُقنع التاريخ، ولا يُطمئن المستقبل. لأن الشعوب قد تُهزم، لكنها لا تنسى. ولأن يناير، مهما حاولوا شيطنتها، ستبقى لحظة كاشفة: كشفت النظام الذي سقط، وكشفت الأنظمة التي جاءت بعده، وتكشف حتى اليوم خوف السلطة من الحقيقة البسيطة التي لم تُكتب في أي وثيقة سرية: أن الشعب حين يُهان وتُهدر كرامته، يثور







