
ما جرى في سوريا خلال الأسبوع الماضي لم يكن تطورًا عابرًا، بل تحوّلًا استراتيجيًا لم يكن يتوقعه أحد بهذه السرعة. سوريا أنهت مرحلة كاملة من تاريخ الحرب، وفتحت الباب لإعادة توحيد الدولة من جديد.
وجاء بيان المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك ليقول ما كان يُقال همسًا منذ شهور: الغرض الذي أُنشئت من أجله «قسد» انتهى.
فذريعة «محاربة داعش» كمسوغ لبقاء كيان عسكري موازٍ للدولة لم تعد مقبولة. انتهى الفراغ الذي استُخدم لتبرير تقسيم الأمر الواقع، وانتهى زمن التعامل مع شمال شرق سوريا كمنطقة خارج السيادة.
والأهم، أن باراك كان واضحًا في الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا ترى أي مصلحة في وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في سوريا، وأن هذا الوجود كان مؤقتًا ومرتبطًا حصريًا بمحاربة داعش، في رسالة سياسية صريحة تفيد بأن مرحلة الانسحاب باتت مسألة وقت، لا مبدأ.
الولايات المتحدة أقرت اليوم بشكل لا لبس فيه أن:
- سوريا باتت تمتلك حكومة مركزية معترفًا بها دوليًا.
- وأنها أصبحت عضوًا في التحالف الدولي لمكافحة داعش.
- وأنها قادرة وجاهزة لتولي الأمن، وحماية السجون، وضبط الحدود، وإدارة الثروات.
هذا يعني أنه لن يكون هناك نفط خارج الدولة، ولا سجون خارج السيادة، ولا سلاح خارج الجيش الوطني.
الاتفاق الموقّع في 18 يناير لدمج «قسد» في الجيش السوري، وتسليم حقول النفط والسدود والمعابر، ونقل ملف معتقلي داعش إلى دمشق، لم يكن تنازلًا من الدولة… بل تصحيحًا لمسار شاذ فرضته الحرب والتدخلات.
أما الحديث عن الأكراد، فقد سقطت معه كل أوراق الابتزاز؛ فالأكراد ليسوا مشروعًا انفصاليًا، ولا وقودًا لمشاريع خارجية، ولا أقلية تبحث عن وصاية.
بيان باراك نفسه يعترف بأن:
- الأكراد حُرموا من حقوقهم في ظل نظام الأسد،
- وأن الدولة السورية الجديدة تفتح لهم مواطنة كاملة، وحماية اللغة والثقافة، والتمثيل السياسي داخل الدولة الموحدة، لا خارجها.
وهذه هي المعادلة الذكية التي نزع بها أحمد الشرع فتيل الانقسام والمظالم التاريخية: حقوق مواطنة كاملة داخل الدولة، لتجنيب سوريا فوضى مفتوحة تعيد داعش من النافذة.
ما تحقق خلال الأيام الماضية، وبوتيرة سريعة، ذكّرنا بدخول دمشق قبل أكثر من عام، وأصبحت هناك حقائق جديدة تُضاف لما تحقق:
- تفكيك سردية «قسد كبديل للدولة».
- تثبيت مبدأ وحدة الأرض والسلاح.
- اعتراف أمريكي صريح بأن الفيدرالية والانفصال ليسا خيارًا مدعومًا.
- انتقال هذه المليشيات أمام فرصة حقيقية يجب ألّا تُضيَّع، وهي الانتقال من ساحة الصراع إلى الشراكة الأمنية والسياسية.
ومع تمنياتنا باستجابة «قسد» للعرض الأخير من حكومة أحمد الشرع، وفتح الطريق أمام دخول أجهزة الدولة المدنية لتسلّم محافظة الحسكة وعين العرب، وطرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني، والقبول بالاندماج في الدولة…
وإلا فالبديل سيكون تجدّد الحرب.
ومن لا يفهم اللحظة الآن، سيفهمها لاحقًا…
ولكن بعد أن يكون خارج التاريخ.







