شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – لاظوغلي… أول رئيس مخابرات في مصر

ليست كل الدول تُبنى بالقرارات المعلنة، ولا تُحمى بالخطابات وحدها. بعض الدول تولد وتستقر لأن هناك من فهم مبكرًا أن الحكم لا يقوم بالسيف فقط، بل بالمعلومة، وبالقدرة على رؤية الخطر قبل أن يرفع رأسه. في بدايات مصر الحديثة، كان هناك رجل أدرك هذه الحقيقة قبل أن تُعرف كلمة «مخابرات» نفسها، وكان اسمه محمد لاظوغلي.

جاء لاظوغلي إلى مصر في مطلع القرن التاسع عشر، ضمن القوات العثمانية التي أشرفت على خروج الحملة الفرنسية عام 1801. ومثل محمد علي باشا، لم يغادر البلاد بعد انتهاء المهمة. لكن الرجلين، وإن تشابها في الصرامة وحدة النظرة، افترقا في الموقع. محمد علي صار رأس الدولة، ولاظوغلي صار عقلها الأمني.

بعد فشل حملة فريزر البريطانية في رشيد عام 1807، لمع نجم لاظوغلي سريعًا. تولّى منصب «أمين الوالي»، ثم أُسندت إليه المالية المصرية عام 1808، في لحظة كانت الدولة الوليدة فيها مهددة من الداخل بقدر ما كانت محاصرة من الخارج.

ارتبط اسمه لاحقًا بمذبحة القلعة عام 1811، الحدث الذي أنهى وجود المماليك سياسيًا وعسكريًا. غير أن التركيز على الدم وحده يحجب الصورة الأوسع: لاظوغلي كان يرى أن الدولة لا تتحمل ازدواج القوة، وأن الخطر إذا لم يُستأصل من جذوره، عاد أضعافًا.

بعد ذلك، تولّى منصب ناظر الجهادية لما يقارب خمسة عشر عامًا، وبقي خلالها الرجل الأقوى نفوذًا في إدارة أمن البلاد. كان اسمه وحده كافيًا لبث الرهبة، لأن الدولة حينها كانت تعرف من يحرسها، وكيف.

غير أن أخطر ما في سيرة لاظوغلي لم يكن في المناصب، بل في ما أنشأه بصمت: أول جهاز استخبارات داخلي منظم في مصر، يتبع الحاكم مباشرة، دون إعلان أو لوائح مكتوبة.

أنشأ شبكة من المخبرين ينتشرون بين الناس، في الأسواق والمقاهي والبيوت، يلتقطون الأخبار قبل أن تتحول إلى تمرّد. لم تكن هناك قيادة معلنة ولا تسلسل مكشوف.

كانت الآلية عبقرية في بساطتها: تُسلَّم الأخبار إلى سيدة بسيطة في منطقة السيدة زينب. تجمع الرسائل، وتحملها بنفسها إلى لاظوغلي. لا أسماء، لا أوراق رسمية، ولا خيوط يمكن تتبعها. جهاز كامل يعمل تحت جلد المجتمع.

بهذا الأسلوب، حمى لاظوغلي شبكته من الانكشاف، وحمى الدولة من المفاجآت. لم يكن الأمن عنده قمعًا أعمى، بل معرفة سابقة. ومن يملك المعرفة، يملك القدرة على الإجهاض المبكر للمخاطر.

تجلّى هذا الدور حين غادر محمد علي إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين. في غيابه، دُبّرت مؤامرة خطيرة اشتركت فيها فلول المماليك، وفرقة ألبانية منشقة، وبدعم عثماني، لقتل عائلة الباشا والاستيلاء على الحكم.

كان رأس المؤامرة لطيف باشا، أحد المقرّبين من محمد علي، والذي بلغ به الطموح أن طلب الزواج من ابنته. غير أن لاظوغلي لم يطمئن إليه قط. كانت شبكته تراقبه، وخطته مكشوفة قبل أن تكتمل.

دبر لاظوغلي حيلة أمنية بارعة. أوحى للمتآمرين بأنه يستعد للانقلاب على عائلة الباشا، فغيّروا هدفهم وقرروا اغتياله هو أولًا. هنا انكشفوا جميعًا.

سُحقت المؤامرة بلا رحمة، وكان لطيف باشا أول الضحايا. وحين عاد محمد علي إلى القاهرة، كانت الدولة قد نُقذت لا بخطبة، بل بمعلومة.

المدهش أن لاظوغلي بقي بلا سيرة ذاتية مكتملة. لا تاريخ دقيق لميلاده أو وفاته. حتى تمثاله لم يُبنَ على صورة حقيقية؛ إذ استعان النحات الفرنسي جاك مار بسقّاءٍ يشبه ملامحه ليصوغ التمثال. رجل عاش في الظل… وبقي فيه.

ذكره الجبرتي أربع مرات فقط في «عجائب الآثار»، دائمًا في سياق الأحداث، لا بوصفه بطلًا. لعل السبب أنه أحب الدولة أكثر من نفسه، ولم يهتم بتخليد اسمه بقدر اهتمامه بتأدية دوره.

ولم يكن اهتمامي بلاظوغلي وليد هذه السطور. الاسم يرافقني منذ أكثر من ربع قرن، منذ بدأت كتابة سلسلة مقالات في جريدة الوفد عن التنصّت والتجسّس على المعارضة المصرية، بل وعلى وزراء مصريين أنفسهم، من قبل بعض الأجهزة الأمنية.

اخترتُ يومها عنوانًا صارحًا: «لاظوغلي جيت». لم يكن مجازًا، بل توصيفًا لحالة. لاظوغلي تحوّل، في المخيال الأمني، من رجل تاريخي إلى رمزٍ لكل ما يُدار في الظل.

نُشرت السلسلة مشفوعة بمستندات. وكان الحصول عليها ونشرها في ذلك الزمن مخاطرة حقيقية. بعض تلك الوثائق، أو حتى مجرد ذكرها، ما زال — حتى اليوم — عقدةً لدى أجهزة لا تؤمن بأن الزمن يُسقط الحسابات.

ربما تغيّرت الوجوه، لكن بعض الأجهزة لا تنسى من كشف مرة، ولا تسامح من سمّى الأشياء بأسمائها. لذلك ظلّ لاظوغلي بالنسبة لي أكثر من باشا في كتب التاريخ؛ ظلّ عنوانًا لعقلٍ أمني يرى المعرفة خطرًا، والصحافة تهديدًا.

لهذا عدتُ اليوم إلى لاظوغلي التاريخي، لا للزينة، بل للبحث عن الجذر: متى بدأ الخلط بين حماية الدولة ومراقبة المجتمع؟ بين الأمن والمعرفة؟ بين الوقاية والسيطرة؟

الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن محمد علي لم يكن ليستقر دون لاظوغلي، وأن لاظوغلي لم يكن ليصنع أثره دون محمد علي. ومعًا، وضعا الأساس الصلب لمصر الحديثة، بكل ما فيها من قوة وتناقض.

وجوه لا تغيب…
لأن بعض الرجال لا تُكتب أسماؤهم على أبواب المؤسسات، بل تُكتب في صميم فكرتها.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى