شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : وجوه نسائية لا تغيب . روز اليوسف… قرن من الإزعاج

كان الضوء يعرفها قبل أن تعرفه. تقف على الخشبة فتتعلم، دون أن تدري، كيف تُواجه جمهورًا لا يرحم، وكيف تُصدّق الكلمة قبل أن تُقال. في تلك المسافة بين الستار والجمهور، تشكّل وعيها الأول: أن الحقيقة إن لم تُؤدَّ بإخلاص انكشفت، وأن الجرأة لا تعني الصراخ بل القدرة على الوقوف ثابتة حين تتبدّل الوجوه.

وُلدت روز اليوسف عام 1898 في طرابلس الشام، وجاءت إلى القاهرة طفلة تحمل يتمًا مبكرًا، ويقينًا مبكرًا بأن الاعتماد على النفس ليس خيارًا. القاهرة لم تكن مدينة رحيمة، لكنها كانت مدينة الفرص لمن يعرف كيف يقتحمها. اقتحمتها روز أولًا بالفن، لا بالسياسة.

في المسرح تعلّمت أن الكلمة إذا لم تُصدَّق سقطت، وأن الجمهور يرى ما وراء الأداء. لعبت أدوارًا كثيرة، ونجحت، وصار اسمها مألوفًا. غير أن الخشبة — مهما اتسعت — بدأت تضيق. الرقابة كانت تُبدّل النصوص، والسياسة كانت تتسلّل إلى كل حوار. فهمت روز أن المعركة ليست في التمثيل، بل في من يكتب النص، ومن يملك حق نشره.

حين تركت المسرح واتجهت إلى الصحافة، بدا القرار جنونيًا في نظر كثيرين. ممثلة ناجحة تتخلى عن الأضواء لتدخل دهاليز الحبر والورق؟ لكنها كانت تعرف أن الضوء الحقيقي ليس دائمًا أمام الكاميرا، وأن السلطة تُدار في الكواليس أكثر مما تُدار على الخشبة.

أسست مجلتها «روز اليوسف» عام 1925، ولم تختبئ خلف اسم مستعار. وضعت اسمها في الواجهة، كأنها تُعلن تحمّل المسؤولية كاملة. منذ العدد الأول، كانت المجلة مختلفة: سخرية لاذعة، كاريكاتير ذكي، ومقالات قصيرة تضرب الهدف دون مواربة. لم تكن ترفع شعارًا، لكنها كانت تُربك.

السخرية كانت سلاحها الأثير. لم تؤمن بالخطب الثقيلة، بل بالضحكة التي تكشف التناقض. كانت تعرف أن الضحك — حين يكون واعيًا — يهزّ الهيبة أكثر مما يفعل الغضب. ولهذا لم ترتح لها السلطة، ولا اطمأن إليها القصر، ولا غفرت لها الجرأة.

تعرّضت المجلة للمصادرة مرارًا، وأُغلقت أكثر من مرة. وفي كل مرة كانت تعود، باسمٍ جديد أو بروحٍ أشد عنادًا. لم تكن ترى في الإغلاق هزيمة، بل اعترافًا غير معلن بفعالية ما تفعل. كانت تعرف أن الكلمة التي لا تُزعج لا تُغيّر.

في حياتها الخاصة، لم تكن روز أقل صدامًا. تزوّجت من زكي طليمات، وكانت العلاقة بين شخصيتين قويتين لا بد أن تشهد توترًا. لم تستمر الزيجة، لكن التجربة تركت أثرها: فهمت روز أن الاستقلال ليس ترفًا، وأن المرأة التي تُدير مشروعًا عامًا لا يمكن أن تُدار في الخاص بسهولة.

أنجبت إحسان عبد القدوس، وربّته في بيتٍ لا يعرف الصمت. بيتٌ تمتلئ جدرانه بالصحف، والنقاشات، والأسئلة. لم تُلقنه أفكارها، لكنها علّمته أن السؤال حق، وأن الكلمة مسؤولية. كان هذا الإرث هو أثمن ما تركته له.

سياسيًا، لم تنتمِ روز إلى حزبٍ بالمعنى التنظيمي الضيق، لكنها انحازت إلى فكرة الوطن الحر. اصطدمت بالقصر، وانتقدت الحكومات، وساندت الحركة الوطنية حينًا، واختلفت معها حينًا آخر. لم تكن ولاءاتها عمياء؛ كانت ترى أن الصحافة لا تُبايع، بل تراقب.

مع تقدّم العمر، زاد التعب، لكن المجلة بقيت مدرسة. خرج منها صحفيون كبار، وتشكّلت فيها مدرسة السخرية السياسية الحديثة في مصر. كانت روز تعرف أن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن الأثر الحقيقي هو ما يبقى بعد الرحيل.

رحلت روز اليوسف عام 1958، بهدوءٍ لا يشبه ضجيج معاركها. لم ترحل المجلة، ولم يرحل الأسلوب. بقي الاسم، وبقي الدرس: أن الجرأة — حين تقترن بالذكاء — تصنع أثرًا يتجاوز صاحبته.

ليست كل البطولات مسلحة، ولا كل المواجهات مباشرة. بعض النساء يخترعن سلاحهنّ، ويخضن المعركة بلغته. وروز اليوسف كانت واحدة من هؤلاء اللواتي حوّلن المسرح إلى سياسة، والضحك إلى موقف، والكلمة إلى قوة لا تُستهان بها.

هكذا بقيت روز اليوسف وجهًا لا يغيب، لا لأنها واجهت وحدها، بل لأنها علّمت أجيالًا كيف تُواجه دون أن تفقد روحها.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى