العالم العربيترجمات

ميديا بارت : الإخوان المسلمون : الخطة السرّية للإمارات للتأثير على النقاش العام في فرنسا

تكشف مذكرة داخلية اطّلع عليها موقع «ميديا بارت» أن الدبلوماسية الإماراتية وضعت «خطة عمل» تهدف إلى تعزيز تحرّك فرنسا ضد جماعة الإخوان المسلمين. وتشير المذكرة إلى قصر الإليزيه، والبرلمان، ووسائل إعلام، وعدد من الباحثين، بوصفهم حلقات وصل في عملية واسعة تقع على حدود التدخل في الشأن الداخلي.

مصافحة حارة مع نظيره محمد بن زايد آل نهيان عند نزوله من الطائرة؛ وخطاب ودّي من قاعدة أبوظبي العسكرية عن «روابط الثقة الكبيرة جدًا» بين البلدين؛ ومنشور على منصة «إكس» بعد ساعات يشكر فيه الرئيس الإماراتي على «حفاوة الاستقبال»… هكذا أتاحت الزيارة الرسمية التي قام بها إيمانويل ماكرون إلى الإمارات العربية المتحدة في 21 ديسمبر 2025 لفرنسا أن تجدّد تأكيدها على متانة الصداقة بين البلدين. وبعد إعادة انتخابه عام 2022، كان ماكرون قد وعد بأن الدولتين ستكونان «أقرب من أي وقت مضى».

لكن خلف هذه العلاقة الوثيقة، لا تخلو العلاقة الفرنسية–الإماراتية من الغموض. فهل يعلم رئيس الجمهورية، على سبيل المثال، حجم الجهود التي يبذلها شريكه للتأثير «بشكل غير معلن» على توجهات السياسة الداخلية الفرنسية وعلى النقاش العام داخل فرنسا؟

يكشف «ميديا بارت» وجود «خطة عمل» متكاملة، أُعدّت في صيف 2025 من قبل الدبلوماسية الإماراتية، وتهدف إلى «تشجيع السلطات الفرنسية على تشديد الإجراءات» ضد جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك ضد «الكيانات» التي تُعد «مرتبطة بها».

وليس عداء الإمارات العربية المتحدة للتنظيم الإسلامي أمرًا جديدًا؛ فمنذ أكثر من عشر سنوات، تقود أبوظبي، إلى جانب السعودية، استراتيجية مزدوجة تقوم على الإدانة والمواجهة المضادة، وقد ازدادت حدّتها مع مرور الوقت.

الجديد، في المقابل، هو مستوى تعقيد الاستراتيجية الإماراتية وتركيزها الواضح على فرنسا. فالوثيقة، الموجّهة في 18 أغسطس 2025 من إدارة أوروبا بوزارة الخارجية الإماراتية إلى نائب السفير في فرنسا أحمد المُلّا، تمثل خطة حقيقية قصيرة ومتوسطة المدى، تهدف إلى مواءمة مواقف السلطات الفرنسية مع رؤية أبوظبي.

وتُوصَف فرنسا في هذه المذكرة السرية بأنها «البلد الهدف»، وتُقدَّم باعتبارها ساحة مناسبة لعملية تأثير، إذ تشير الوثيقة إلى أن «البيئة السياسية والإعلامية في فرنسا باتت أكثر ملاءمة لتشديد الرقابة على الإخوان المسلمين والشبكات الإسلامية المرتبطة بهم»، مع الإشارة إلى أن «الوسط واليمين التقيا على ضرورة الحد من نفوذ الإسلام السياسي».

استهداف محيط ماكرون

في المجال السياسي، ترى الوثيقة أن الانقسامات والتردد داخل اليسار، ولا سيما بين الحزب الاشتراكي و«فرنسا الأبية»، تمثل فرصة يجب استغلالها. وتقول المذكرة إن «هذا التشتت يمنع تشكّل جبهة معارضة موحدة، ويعزز الزخم لصالح إجراءات التشدد»، وهو ما يبرر، بحسبها، اعتماد «استراتيجية تعبئة متعددة القطاعات» توصي بها السفارة الإماراتية، وتفصلها الوثيقة في ثلاث عشرة صفحة.

ولا يمكن فهم هذا النشاط الإماراتي ضد الإخوان المسلمين بمعزل عن التنافس الإقليمي الحاد بين قوى الخليج. فمع اندلاع ثورات الربيع العربي في مطلع العقد الثاني من الألفية، نظر قطر بإيجابية إلى صعود الجماعة، واحتضن قياداتها وساهم في تمددها، بينما اتخذت الإمارات والسعودية موقفًا معاديًا بشدة لنفوذ الإخوان الديني والسياسي، ما قاد عام 2017 إلى مقاطعة ثم حصار قطر.

وتقترح الوثيقة أن تُركّز الجهود أولًا على وزارة الخارجية الفرنسية، عبر تكثيف «المشاورات الخاصة» مع إداراتها المختلفة، من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، إلى الشؤون الاستراتيجية، ومكافحة الإرهاب.

وبذريعة «إثراء» التحليل الفرنسي، تخطط الإمارات لإغراق الدبلوماسية الفرنسية بوثائق من أنواع مختلفة: «مذكرات حرة» بلا ترويسات أو توقيعات، و«إحاطات تقنية» مصاغة بحيث تكون «قابلة لإعادة الاستخدام» من قبل الإدارة الفرنسية. والهدف هو تحييد الطابع الرسمي للمصدر الإماراتي، لتسهيل تداول هذه الوثائق وصولًا إلى الإليزيه وماتينيون.

ويُعد قصر الإليزيه نفسه هدفًا رئيسيًا آخر، إذ تعي أبوظبي أن الرئاسة تحتل «مكانة حاسمة» في النظام السياسي الفرنسي، وتسعى إلى التقرب «بهدوء» من إيمانويل ماكرون، مع التركيز على «المستشارين الأساسيين الذين يوجّهون عملية اتخاذ القرار الرئاسي».

وتذكر المذكرة أسماء عدد من هؤلاء، بينهم إيمانويل بون، مستشار الرئيس للشؤون الدبلوماسية، وآن-كلير لوجندر، المكلفة بملفات الشرق الأوسط، وإيمانويل مولان، الأمين العام للرئاسة، إضافة إلى بول سولير، المبعوث الخاص إلى ليبيا.

كما تشير الوثيقة إلى تلقي عدد من أعضاء مكاتب الوزراء، فور تعيينهم، باقات زهور من السفارة الإماراتية مرفقة برسائل تهنئة رسمية.

ولا تقتصر الاستراتيجية على الدوائر الحكومية، بل تمتد إلى الإعلام ومراكز الأبحاث. إذ تؤكد الوثيقة «الدور الأساسي» الذي يلعبه المشهد الإعلامي الفرنسي في «تشكيل الرأي العام» حول الإخوان المسلمين، وتبدي ارتياحها لتغطيات صحف مثل «لو فيغارو» و«ليكسبريس» و«ماريان»، التي تصف الجماعة بأنها «غامضة، طائفية، وغير متوافقة مع القيم الجمهورية».

وتُذكّر الوثيقة أيضًا بما سبق أن كشفه «ميديا بارت» حول تمويل أجهزة الاستخبارات الإماراتية، عبر شركة استخبارات سويسرية، لصحفيين فرنسيين من أجل تنفيذ حملات تشويه ضد قطر والإخوان المسلمين.

وتشدد الخطة على أهمية الاعتماد على خبراء وباحثين و«مراكز تفكير» لـ«توجيه السردية» و«تقديم دعم غير معلن من الكواليس»، من خلال علاقات غير رسمية مع صحفيين، وتنظيم لقاءات «خارج التسجيل» مع خبراء يتم استضافتهم في وسائل الإعلام، بهدف التأثير غير المباشر في النقاش العام.

كما تتناول الخطة البرلمان الفرنسي، الذي بات «أكثر نشاطًا» في ملف الإسلام السياسي، وتقترح بناء شبكة من النواب من مختلف التيارات يمكن «التواصل معهم» لدعم تعديلات تشريعية أو مواقف سياسية، عبر زيارات، ومهمات رسمية، ووثائق تُسرّب لاستخدامها في لجان التحقيق البرلمانية.

وتحذر الوثيقة في الوقت نفسه من ضرورة التحلي بـ«أقصى درجات الحذر»، نظرًا إلى «اليقظة المتزايدة للسلطات الفرنسية تجاه التدخلات الأجنبية»، مؤكدة أن أي تدخل يُنظر إليه باعتباره مباشرًا أو فظًا قد يؤدي إلى رد فعل عكسي.

وتقترح الخطة تنفيذ الاستراتيجية على مراحل: مرحلة أولى من الاتصالات «الهادئة»، تليها مرحلة ترسيخ، ثم مرحلة بروز علني عبر لقاءات رفيعة المستوى، وأخيرًا مرحلة تحقيق التأثير، على أن تخضع جميع المراحل لمصادقة أعلى مستويات الدولة الإماراتية، مع مرونة دائمة تراعي «الروزنامة السياسية الفرنسية» وإيقاع العلاقات الثنائية.

المصدر ميديا بارت

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى