د. أيمن نور يكتب: ارحل سيادة الرئيس . لم يكن انتحارًا بل تحذيرًا قبل الانفجار.

في الحادي والعشرين من يناير، لم تكن الجلسة برلمانًا، بل مرآة زمنٍ يوشك أن ينكسر؛ خرجت الكلمة من بين المقاعد لا تطلب إذنًا، ولا تنتظر تصفيقًا، بل تؤدي واجبها الأخير. قيل باستخفاف: «خليهم يتسلّوا»، ولم يُدرك القائل أن السخرية من الغضب هي أسرع الطرق لاستدعائه. أربعة أيام فقط فصلت بين الاستهانة والانفجار، بين الكلمة والميدان. خمسة عشر عامًا مرّت، وما زالت اللحظة شاهدة: الثورات لا تولد فجأة… تبدأ بكلمة قيل عنها إنها بلا وزن، فإذا بها تُسقط تاريخًا كاملًا.
الرسالة الأولى، وهي رسالة موجهة إلى رئيس مبارك: ارحل.
رئيس مبارك، البقاء لله. أواسيك في رحيل صديقك وشبيهك وناظرك، الذي أحكم قبضته كما أحكمت، واحتكر لنفسه وأسرته السلطة والثروة كما احتكرت، وقدّم نفسه للداخل والخارج بديلًا وحيدًا كما فعلت، ظلم وتجبر كما ظلمت وتكبرت.
سيادة الرئيس، أسألك الرحيل.
أوجّه رسالتي الأخيرة، ليس بصفتي الحزبية، ولا بوصفي منافسًا لك في الانتخابات الرئاسية، بل كمواطن يرى الطوفان قادمًا، ويرى الوطن كسفينة مثقوبة تعطلت بصلتها في اللحظات الحرجة.
رسالتي لك ليست أملًا في إصلاحك،
ولا طمعًا في إظهار شجاعة ساذجة في مواجهتك، ولا طلبًا لإنقاذ لن يتحقق أبدًا في وجودك، ولن نراه على يد نجلك أو نظامك الذي تصلبت شرايين العقل فيه، وانسدت رئات التنفس داخله، وبات معظم الشعب يزاوج بينه وبين الفساد والاستبداد والفقر، ويعدّ الأنفاس واللحظات انتظارًا للحظة الخلاص.
السيد الرئيس، بعد ثلاثين سنة من حكمك،
قل لي من بات معك كي أقول لك من أنت، وأين موقع قدميك. ألا ترى ما آلت إليه أوضاع الناس في عهدك؟ ألا تسمع ما يقوله الناس عنك وعن نجلك؟ ألا تشعر بضيق الناس من طول سنوات حكمك؟ ألم تمل من حكم شعب يحلم بأن يرى غيرك؟
لمَ لا تكل فتريح وتستريح،
وأنت في العقد التاسع من عمرك؟ سيادة الرئيس، إن لم تمل وإن لم تكل، فقد استبدّ بنا الملل والكلل، بعد أن أغلقت كل سبل التغيير السلمي، وبتنا ننتقل من السيئ إلى الأسوأ.
فمن لم يحرق جسده فقرًا وكللًا،
يكاد يفقد عقله ألمًا ومللًا ويأسًا، وينفد صبره ضيقًا وغضبًا مما آلت إليه الأوضاع في مصر.
لقد وصلت إلى الحكم مع ريغان فذهب وبقيت،
وجاء بوش الأب فذهب وبقيت، وجاء كلينتون الزوج فذهب وبقيت، وجاءت كلينتون الزوجة، وأوباما يكاد أن يذهب وتريد أن تبقى. حكمتنا قبل أن نسمع عن غورباتشوف، فذهب وجاء بعده أربعة رؤساء لروسيا، وقبل تاتشر وجاء بعدها خمسة رؤساء لبريطانيا، وسقط كل حكام أوروبا الشرقية، وتغيّر حكام أوروبا الغربية وآسيا وإيران، ومعظم الدول العربية، وبقيت قابعا في مكانك متشبثًا بمقعدك.
إلا أن مصر لم تبقَ في مكانها،
تقلصت مكانتها محليًا ودوليًا وإقليميًا، وتضاعف الفقر والفشل والمرض وساءت أحوال الناس المثخنة بجراح عميقة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، في ظل حكومات عاجزة وفاسدة وانتخابات مزورة، وعناد واستبداد وفساد متزايد، لم يعد هناك أمل للخلاص منه إلا بأن ترحل.
ألم تفهم رسالة الناس لك،
بفرحتها برحيل شبيهك وقرينك؟ ارحل سيادة الرئيس قبل أن تشتعل مصر، واترك لمصر حقها في أن تختار من يحكمها اختيارًا حرًا، يعيد لها كرامتها وصورتها بين الأمم الحرة.
اعلم سيادة الرئيس أن الوقت لم يعد يتسع،
لإصلاحات مغشوشة ومناورات مكشوفة، أو حتى تنازلات لم يعد لها محل من الإعراب على طريق ابن علي، ولن تلمّلم هذه التنازلات أجزاء هذا الوطن المكسور.
ارحل،
ارحل كي يتحقق لمصر كلها خروج آمن من محنتها، ارحل كي تسترد مصر حقوقها وحريتها وكرامتها.
ارحل، فقد صبرت مصر صبر الجبال وصبر الجمال،
لكن الجمال التي صبرت أكثر من اللازم، وجاعت وضُربت على سناميها أكثر من اللازم، لم تعد تحتمل ثِقل القابعين على ظهورها أكثر من اللازم.
ارحل، فلن تترك لنا بعدُ خيارًا،
ارحل قبل ثورة الجمال، ولا تنسَ أن تأخذ معك نجلك جمال.
ارحل سيادة الرئيس.







