مقالات وآراء

معتصم الكيلاني يكتب : مبادرة “مجلس السلام” لترامب: مسار بديل أم تهديد للنظام القانوني الدولي؟

شهدت الساحة الدولية في بداية عام 2026 إعلانًا أثار جدلاً واسعًا بشأن مستقبل النظام العالمي: طرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مبادرة لإنشاء مجلس للسلام (Board of Peace) يمكن أن يعمل كهيئة دولية مستقلة عن الأمم المتحدة، وسبق أن ألمح ترامب إلى إمكانية أن يحل هذا المجلس محل الأمم المتحدة باعتبارها غير فعالة في إدارة النزاعات الدولية. 

أولًا: خلفية المبادرة


جاء اقتراح “مجلس السلام” ضمن خطة ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2025، وقد أُعلن عن تأسيس المجلس في منتصف يناير 2026، بدعم أو دعوات وجهها ترامب للعديد من القادة العالميين للانضمام إليه، بمن فيهم بوتين ونتنياهو وغيرهما من زعماء الدول.

لقد صُمِّم المجلس في الأصل لدعم تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة وإدارة إعادة الإعمار، لكنه سرعان ما توسَّع نطاق طرحه ليشمل دورًا أوسع في حل النزاعات الدولية. 

ثانيًا: الطابع القانوني للمجلس مقابل الأمم المتحدة


من الناحية القانونية، لا يوجد حتى الآن أساس معاهَدِي ملزم يُشيِّع إنشاء “مجلس السلام” على غرار ميثاق الأمم المتحدة. الأمم المتحدة مؤسسة دولية تأسست على أساس معاهدة (ميثاق الأمم المتحدة 1945) تُلزم الدول الأعضاء بقرارات مجلس الأمن، وتُوفِّر الشرعية القانونية لنشاطات حفظ السلام وتنفيذ القرارات الدولية. يلزم مجلس الأمن القانون الدولي، ويُعدّ دستورًا للنظام الدولي.

في المقابل، يبدو أن “مجلس السلام” ليس مؤسسة دولية مستقلة وفقًا لميثاق ملزم، بل كيانًا تنظيميًا ناشئًا بميثاق داخلي لا يستند إلى اتفاقيات دولية تعاقدية تُلزِم الدول الأعضاء. بحسب مسودة الميثاق، يمكن لترامب وحده التحكم في عضوية الدول وقرارات المجلس بما ينطوي على سلطة واسعة جدًا، وهو ما يضعه في حالة تختلف عن هيئات الأمم المتحدة التقليدية. 

من الناحية القانونية، يعتبر هذا الفرق جوهريًا:


الشرعية القانونية الدولية للأمم المتحدة تستند إلى التزامات الدول الأعضاء وتطبيق القانون الدولي العام؛
بينما مجلس السلام بصيغته الحالية لا يرتبط باتفاق ملزم قانونًا أو محكمة دولية تُشرف على تقييد صلاحياته.

ثالثًا: المشكلات القانونية والسياسية في الاقتراح


1.⁠ ⁠غياب الأساس القانوني الدولي المؤسَّس:
إن إنشاء هيئة دولية بمهمة واسعة لإدارة النزاعات واستبدال الأمم المتحدة يتطلب أكثر من إعلان سياسي. يحتاج النظام الدولي إلى معاهدات توافُقية بين الدول، وإلى آليات مراقبة قانونية مثل محكمة العدل الدولية لضمان الالتزام بمبادئ مثل عدم التدخل وسيادة القانون الدولي، وهو ما ينقص مجلس السلام الحالي.
2.⁠ ⁠تركيز السلطة في يد فرد واحد:
بحسب النصوص المنشورة، يتيح الميثاق المقترح لترامب سلطة اتخاذ القرار النهائي في المجلس، وحقًا في تعيين العضوية والقيادة، بل وحتى فرض شروط مالية عالية مقابل العضوية الدائمة. وهذا يُخالف مبدأ التداول المؤسسي والمساواة بين الدول الأعضاء في المنظمات الدولية التي تقوم عليها المعايير القانونية الدولية الحديثة.
3.⁠ ⁠تهديد شرعية الأمم المتحدة:
بالرغم من المشكلات البيروقراطية في أداء بعض أجهزتها، فإن الأمم المتحدة توفر نظامًا عالميًا مقبولًا نسبيًا للمعالجة الجماعية للنزاعات. مبادرة استبدالها ببديل يفتقر إلى نفس الشرعية القانونية والحياد الدولي يعرض النظام الدولي لارتفاع في التوترات وعدم اليقين القانوني.

رابعًا: الرد الدولي وردود الفعل


ردود الفعل الدولية كانت متفاوتة:

•⁠ ⁠بعض الدول قبلت الدعوة للمشاركة في المجلس، بما في ذلك دول عربية وغيرها من المناطق، فيما تحفظت دول أوروبية مثل النرويج والسويد وفرنسا بعيدًا عن المشاركة نظرًا للمخاوف بشأن تأثيره على الأمم المتحدة ودور القانون الدولي.

هذه التباينات تعكس انقسامًا واضحًا بين الدول التي ترى في المبادرة فرصة لإصلاح وتفعيل دور مؤسسات التعامل مع النزاعات، وبين دول تحذِّر من مخاطر تهميش النظام القانوني الدولي القائم. 

خامسًا: تقييم نقدي


يمكن تحليل هذه المبادرة ضمن إطار نقدي قانوني وسياسي:
•⁠ ⁠من الناحية القانونية، لا يمكن اعتبار مجلسًا غير معاهَدي أو غير مؤسَّس على أساس قانون دولي وسيلة شرعية لتحل محل هيئة تُستند إلى معاهدة دولية معترف بها عالميًا.
•⁠ ⁠من الناحية السياسية، قد يؤدي تهميش منظمة دولية مثل الأمم المتحدة إلى زيادة تنافس القوى الكبرى وإضعاف آلية حل النزاعات على أساس القواعد المشتركة، مما يعيد النظام الدولي إلى أطوار ما قبل ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تتحدد النزاعات بناءً على موازين القوى أكثر من قواعد القانون الدولي.

رغم أن الأمم المتحدة بحاجة لإصلاح فعّال يؤدّي إلى تعزيز كفاءتها وشرعيتها، فإن طرح بديل بتركيز سلطات واسعة في يد قادة فرديين أو مجموعة صغيرة من الدول، دون أساس قانوني دولي متين، يصلح ليصبح بديلاً قابلاً للتطبيق أو مشروعًا يعزز النظام القانوني الدولي، هو مسار خطير يمكن أن يُضعف أسس القانون الدولي ويُضعف مؤسسات النظام الدولي الجماعية. 

في الختام، يمكن للمجتمع الدولي الحفاظ على النظام العالمي ومنع انزلاقه نحو الفوضى عبر مسارٍ مؤسسي وقانوني واضح، لا عبر مبادرات فردية أو نزعات شخصية. ويتمثل هذا المسار في تعزيز التعددية والتمسك بمرجعية ميثاق الأمم المتحدة، مع الدفع بإصلاحات حقيقية من داخل المنظومة القائمة: توسيع تمثيل مجلس الأمن، تقييد استخدام حق النقض في حالات الإبادة والجرائم الجسيمة، تقوية دور محكمة العدل الدولية، وضمان استقلالية وكفاءة أجهزة حفظ السلام. كما يتطلب الأمر جبهة دولية منسجمة—خاصة من الدول المتوسطة والفاعلة إقليميًا—لرفض أي محاولات لتسييس السلم الدولي أو تحويله إلى أداة بيد زعيم أو تكتل ضيق، أياً كان نفوذه. إن الوقوف بوجه اندفاعات فردية—مثل طروحات دونالد ترامب—لا يكون بالشجب الخطابي، بل بتحصين القانون الدولي، وربط الشرعية الدولية حصراً بالمعاهدات والمؤسسات متعددة الأطراف، وتكثيف التنسيق بين الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا، وغيرها، لضمان ألا يُعاد تشكيل النظام العالمي على مقاس “منطق الصفقة”، بل على أساس سيادة القانون والمصلحة الإنسانية المشتركة

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى