
يقول ماركس في مقولته الشهيرة: إن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم، لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم بل في ظروف يواجهونها مباشرة، تكون متعينة وموروثة من الماضي. في العلوم الاجتماعية هنالك مفهوم يعبر عن الفكرة بدقة، وهو مفهوم تتابعية المسار؛ يشير المفهوم إلى الكيفية التي تُقيد بها الخيارات المبكرة مسارات الفعل اللاحقة، عبر آليات تراكمية تجعل بعض البدائل أقل قابلية للتصور أو أعلى كلفة من غيرها. الفكرة المركزية في هذا المفهوم هي أن التاريخ بنية فاعلة تُعيد إنتاج نفسها عبر الزمن (من دون حتمية)، بحيث تصبح القرارات السابقة، والمؤسسات التي أنشأتها، والتصورات التي رسختها، عناصر ضاغطة على الحاضر والمستقبل. آليات تتابعية المسار متعددة، لكن من أبرزها ما يُعرف بـ العوائد المتزايدة؛ حيث يؤدي اختيار مسار معين إلى تعزيز ذاته بمرور الزمن، فكل استثمار مؤسسي، أو قانوني، أو أيديولوجي في اتجاه محدد، يزيد من كلفة التخلي عنه لاحقًا، ليس فقط من حيث الموارد، بل من حيث إعادة توزيع السلطة وتفكيك الشرعيات القائمة. ومع تراكم هذه الاستثمارات، يتحول المسار إلى ما يشبه القناة الضيقة التي يمكن التحرك داخلها، لكن يصعب القفز خارجها دون تكلفة عالية.
مثال بسيط هنا: تخيل دولة أنفقت 400 مليار دولار من أجل تجديد البنية التحتية للقطاع الزراعي، أو نفس المبلغ من أجل بناء بنية تحتية لصناعة سيارات ذاتية الاحتراق. وتخيل أن السياق الدولي في المجالين يؤدي إلى تغيير أولويات المجال؛ ففي الزراعة تصعد أنماط معينة مع الحوكمة الزراعية يتداخل فيها الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة جدًا، وفي صناعة السيارات تصبح السيارات الكهربائية هي الشكل الأساسي والمستقبلي للمجال كليًا. في هذه الحالة سيجد الفاعلون أنفسهم أمام تكلفة كبيرة من أجل تحويل بنية الاقتصاد، بما يؤدي له هذا من إعادة شراء/تصنيع/هيكلة/تدريب/تعليم… إلخ.
السلوك الإيراني في المجالين الداخلي والخارجي يُفسَّر باعتباره نتيجة لمسار تاريخي مركب تداخلت فيه البنى المادية مع السرديات الأيديولوجية والتصورات الفلسفية للسيادة والشرعية، بحيث أعاد هذا التداخل إنتاج نفسه عبر الزمن وضيّق أفق التحول. لحظة 1979 أسست مسارًا بعينه؛ فاختيار القطيعة مع النظام الملكي البهلوي من قبل قوى شيعية عُلمائية، متزعمة من شخصية دينية ثورية كاريزماتية، أدى إلى إعادة تعريف لمصدر الشرعية ذاته للدولة الجديدة، بوصفه فعلًا خلاصيا في مواجهة بنية عالمية جائرة. هذه السردية، المتأثرة بالمناخ الفكري السائد آنذاك، ولا سيما بأطروحات المودودي وسيد قطب حول الحاكمية والصراع الكلي بين منظومتين متمايزتين، أعادت ترميز السياسة بوصفها مجالًا أخلاقيًا وجوديًا.
طبعًا هذا التأسيس الأيديولوجي لم يبق في مستوى الخطاب والسردية، بل ترجم نفسه ماديًا/مؤسسيًا؛ فالدولة أعادت بناء أجهزتها الأمنية والعسكرية على أساس تصور صراعي للعالم، وجرى الاستثمار الكثيف في أدوات الردع، وفي شبكات نفوذ إقليمية تُفهم بوصفها خطوط دفاع متقدمة عن الثورة. وبمنطق ميكانيزمات تتابعية المسار، فإن كل استثمار جديد في هذا الاتجاه عزز الحاجة إلى الاستمرار فيه، لأن التراجع لم يعد يعني تغيير سياسة، بل تفكيك بنية قوة ونفوذ تشكلت عبر عقود.
وطبعًا عملت الحرب العراقية–الإيرانية كآلية تثبيت إضافية للمسار؛ فالحرب لم تعزز فقط عسكرة الدولة، بل أعادت إنتاج سردية الثورة في شكل خبرة وجودية جماعية. الدعم الدولي للعراق، والصمت على استخدام السلاح الكيماوي، شكّلا دليلًا عمليًا في الوعي الإيراني على صحة الفرضية الأيديولوجية القائلة بعدم حياد النظام الدولي. فإذا أضيف إلى هذا الذاكرة التاريخية لانقلاب مصدق في 1954، فإن هذا يجعل العقل الاستراتيجي الإيراني يفهم بأن فكرة الاعتماد على الضمانات الدولية تبدو غير عقلانية في ذاتها، بل هي لم تحفظ حتى بقاء الشاه، رغم كونه كان في غاية الوظيفية (شرطي الشرق الأوسط وقامع الحركات الشيوعية في المنطقة كما هو الحال في ثورة ظفار).
إلى جانب ذلك، أنتج المسار نخبة سياسية–عسكرية ترى نفسها حارسة للثورة. مصالح هذه النخبة المادية، من مواقع النفوذ إلى الاقتصاد الموازي، تداخلت مع رأسمال رمزي يقوم على تمثيل “المقاومة” و“الاستقلال” من قوى الاستكبار العالمي. وبهذا التداخل، أصبح المسار محميًا من محاولات التفكيك، لأن تغييره سيستدعي إعادة توزيع جذرية للسلطة والثروة، وإعادة تعريف معنى الشرعية السياسية؛ أي أن تكلفة التحول لم تعد خارجية فقط، بل داخلية وبنيوية.
على خلاف إيران، فالدولة التركية منذ تأسيسها (بعد سقوط الدولة العثمانية) قُبلت داخل النظام الدولي بوصفها دولة قابلة للإدماج ومطلوبة وظيفيًا. وطبعا الاندماج = حماية، الحماية = الاستقرار، والاستقرار يسمح بتراكم اقتصادي ومؤسسي طويل الأمد. وخلال الحرب الباردة كانت تركيا حاجزًا جيوسياسيًا ضد دخول الاتحاد السوفيتي للمياه الدافئة، وبعدها أصبحت مديرًا لملفات إقليمية تحتاجها القوة المهيمنة. هذه الوظيفة منحتها أريحية نسبية في مراكمة القوة دون أن تُقرأ بوصفها تهديدًا بنيويًا، لأن توسعها ظل يُفهم (إلى حد بعيد) كتوسع داخل النظام لا عليه.
لكن هذا الهامش نفسه مشروط ونسبي، إذ إن تتابعية المسار تعني أيضًا وجود سقف غير معلن. تركيا قادرة على الحركة طالما بقيت دولة يُستفاد منها. اللحظة التي تتحول فيها إلى فاعل يريد إعادة تعريف القواعد أو كسر الخطوط المرسومة له، يبدأ المسار ذاته في إنتاج أدوات ضغط معاكسة، سواء كانت في شكل احتواء اقتصادي، أو توظيف للانقسامات الداخلية، أو اللعب على ملف الانتخابات والتأثير فيها، أو الإفقار… إلخ.
ويُفيد إدخال حالة فيتنام في المقارنة في إظهار أن الاندماج الاقتصادي السريع لا يُفسر فقط بالكفاءة الداخلية أو بحسن الإدارة، بل أيضًا بموقع الدولة داخل حسابات القوى الكبرى. فالفيتنام اليوم من أسرع الاقتصادات نموًا، وناتجها الخام يرتفع بوتيرة لافتة، لأنها أعادت التموضع داخله بوصفها فضاءً استثماريًا مفيدًا؛ إذ رأت القوى الكبرى في الاستثمار في فيتنام فوائد استراتيجية كثيرة، سواء سحبها من المدار الصيني جزئيًا، وبناء قاعدة إنتاج بديلة، وتحويلها من خصم تاريخي إلى شريك اقتصادي قابل للاحتواء، وإلى منطقة تابعة للنفوذ الغربي في مكان شديد الحساسية استراتيجيًا.
طبعًا من المهم التأكيد أن تتابعية المسار لا تعني الجبرية التاريخية؛ فالخروج من المسار، حين يحدث، يتم عبر ما يُعرف باللحظات الحرجة، أي الصدمات الكبرى التي تُعيد فتح أفق تشكيل المجال. غير أن هذه اللحظات نادرة، وغالبًا ما تكون مصحوبة بدرجة عالية من عدم اليقين والمخاطر. وحتى حين تقع، فإن نتائجها لا تكون مفتوحة تمامًا، لأن المسارات السابقة تظل تؤثر في كيفية استغلال اللحظة الجديدة. فحتى القطيعة تحمل في داخلها آثار الاستمرارية.
غير أنه يجب التنبيه بأن المسار الذي حدد السياسة الإيرانية لم يكن بذلك التصور المقارب لفكرة “ليس في الإمكان أفضل مما كان”، وذلك لسببين؛ أولهما أنه مسار اختياري في بدايته، يعبر عن أفكار وفلسفة الخميني، وفلسفة الحركة الفكرية الإسلامية في المجمل، وقد أكدت في البداية على العلاقة الموجودة بين الخمينية والقطبية المودودية، بوصفها…







