مقالات وآراء

خالد عبد الحميد يكتب: ثورة يناير .. حين سقط الرأس وبقي الجسد

في يناير من كل عام، تعود مصر لتقف أمام مرآتها الكبيرة ثورة 25 يناير 2011. ليست مجرد ذكرى عابرة ولا “أيامًا حماسية” على شاشات التلفزيون، بل لحظة فاصلة خرج فيها شعبٌ كامل ليقول: لا للخوف، لا للفساد، لا للإهانة، ونعم لكرامة الإنسان.

لكن السؤال الذي يطاردنا بعد كل هذه السنوات هو كيف حلمنا بدولةٍ عادلة .. ثم انتهينا إلى واقعٍ أكثر قسوة؟ وكيف انتصر الميدان .. ثم انتصر عليه من كان يتربص به؟ ولماذا خرجنا؟
فلم تخرج يناير من فراغ بل كانت تراكمًا طويلًا من القهر اليومي ، دولة أمنية تُدير السياسة بالعصا ، وفساد يُهين فكرة العدالة ويستبيح المال العام ، وبطالة وفقر وتفاوت يلتهم الطبقة الوسطى ويكسر أحلام الشباب ، وإعلام يزيّف الوعي ويقدّم الاستسلام باعتباره “عقلًا” ، ومواطن يُعامل كأنه متهمٌ دائم، لا صاحب حق.

لذلك كانت أهداف يناير واضحة وبسيطة وعميقة في الوقت نفسه: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية.
وكانت طموحاتها أكبر من إسقاط شخص فكانت تسعى لإسقاط منظومة كاملة ، منظومة الاستبداد والاحتكار والتوريث السياسي والاقتصادي.

( يوم 25… من “مظاهرة عادية” إلى لحظة العمر )

أذكر يوم 25 يناير كما لو كان الآن. خرجت أنا وصديقٌ لي إلى ميدان التحرير. لم نكن نتخيّل أننا على موعد مع التاريخ. في البداية كان المشهد مربكًا فالميدان شبه فارغ. عرفنا لاحقًا أن الناس كانت متجمّعة قرب دار القضاء العالي، وبدأت بالفعل تتحرك نحو التحرير، تكسر الحواجز البشرية وتدفع خطوط الجنود خطوة بعد خطوة… حتى وصلت إلى قلب الميدان.

دخلتُ أنا وصديقي مع الموجة البشرية التي أعادت للمكان روحه. لم يكن دخولًا إلى ساحةٍ فحسب، بل دخولًا إلى معنى جديد للحياة فأن تكون حاضرًا، أن تقول رأيك، أن ترفض الخضوع.

ثم بدأ الاحتكاك عند سور مجلس الشورى في شارع القصر العيني. هناك، وسط الارتباك والدفع والتوتر، تم اعتقالي أنا وحدي. قُطعت عن الشارع، عن الهتاف، عن الهواء… وكأن الدولة قررت أن تنتقم من جسدي لأن صوت الناس بدأ يعلو.

قضيت ثلاثة أيام في السجن، قبل أن نخرج جميعًا ليلة جمعة الغضب. كانت تجربة الاعتقال بالنسبة لي رسالة واضحة: النظام لا يرى في الثائر مواطنًا، بل خطرًا يجب كسره. ومع ذلك، لم تكسرنا تلك الرسالة… بل جعلتنا نفهم حجم المعركة.

( سقط الرئيس… ولم يسقط النظام )

واصلنا الطريق. جاءت لحظة إسقاط الرئيس، واحتفلنا كما يحتفل شعبٌ استعاد صوته بعد صمتٍ طويل. لكن الحقيقة التي ظهرت سريعًا كانت مُرّة ( سقط الرأس… وبقي الجسد )

فالثورة التي أرادت تغيير قواعد اللعبة، وفتح المجال العام، وبناء دولة القانون، وجدت نفسها في مواجهة “الدولة العميقة”: أجهزة، مصالح، شبكات نفوذ، وإرث طويل من التحكم في السياسة والاقتصاد والإعلام.

ومن هنا بدأ الانحراف الكبير ، تحويل يناير من ثورة شعبية إلى ملفّ يتم إغلاقه بالتدريج، ثم تشويهه، ثم تجريم رموزه، ثم تصويره على أنه “مؤامرة” بدل كونه انتفاضة كرامة.
فهنا لابد ان نتحدث ونقول كيف سُرقت يناير؟

سُرقت يناير حين تم التعامل معها كحدثٍ يجب احتواؤه لا كمسار يجب استكماله.
سُرقت حين تم تفكيك الميدان:
• جزء شُغل بمعارك جانبية.
• وجزء أُنهك بالصراع السياسي الحاد.
• وجزء تعرّض للتصفية المعنوية والتخوين.
• وجزء دُفع إلى الهجرة أو السجن أو الصمت.

ثم جاءت اللحظة الأخطر: الانقلاب على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر الحديث.
مهما اختلف الناس سياسيًا مع الرئيس أو مع جماعته أو مع تجربته، كانت القاعدة الذهبية لأي تحوّل ديمقراطي هي الانتقال يتم عبر الصندوق، لا عبر الدبابة. لأن فتح الباب لعودة الحكم العسكري يعني إغلاق الباب على السياسة كلها، وعلى المجتمع كله، وعلى الحلم كله.

ومع صعود السيسي وتحوّل الدولة إلى نسخة أشد انغلاقًا، اكتمل مشهد السرقة:
• تضييق المجال العام إلى الحد الأدنى.
• تكميم الإعلام وإعادة هندسة الوعي.
• سجن المعارضين من اتجاهات مختلفة.
• إعادة إنتاج “الدولة الأمنية” بأدوات أكثر حداثة وصرامة.

هنا أتحدث عن موقفي… ولماذا لا أندم

موقفي من يناير ليس رفاهية ولا حنينًا رومانسيًا. هو موقف من فكرة: أن المصري يستحق دولة تحترمه.
أنا لست ممن يراجعون يناير كأنها “غلطة”. الغلطة لم تكن في حلم الحرية، الغلطة كانت في السماح لمن يكره الحرية أن يستعيد مفاتيح البلد.

تجربتي في الاعتقال يوم 25 لم تصنع مني بطلًا، لكنها جعلتني شاهدًا: شاهدًا على أن النظام كان يرى في التجمع السلمي خطرًا وجوديًا، وشاهدًا على أن الخوف كان سلاحه الأول والأخير.

وهنا نتذكر ماذا بقي من يناير؟

بقي منها شيء لا تستطيع الدعاية محوه وهوالوعي.
قد ينجح الاستبداد في السيطرة على الشارع وقتًا، لكنه لا يستطيع أن يعيد الناس إلى ما قبل الحقيقة. يناير كشفت أن التغيير ممكن، وأن الطغيان ليس قدرًا، وأن المواطن حين يجتمع على كلمة واحدة يستطيع أن يهزّ الجدران.

والأهم: يناير لم تكن يومًا واحدًا. كانت سؤالًا كبيرًا عن معنى الدولة والعدالة والكرامة. وهذا السؤال سيعود كلما ضاقت الحياة، لأن الشعوب لا تنسى لحظة عرفت فيها أنها تستحق الأفضل.
فيناير ليست ذكرى .. بل عهد

في يناير، لا أطلب من الناس أن يعيشوا على الأطلال، ولا أن يكرروا الشعارات كما هي. ما أطلبه شيء أبسط وأصدق هو أن نعترف بأن الثورة كانت حقًا، وأن سرقتها كانت جريمة، وأن الانقلاب على المسار الديمقراطي كان إعلانًا رسميًا بعودة الحكم العسكري بكل ما يحمله من قمع وإغلاق ، فقد يكون الطريق طويلًا، وقد تتغير الأسماء والوجوه، لكن المعنى ثابت
مصر تُبنى بالحرية، لا بالخوف. تُدار بالقانون، لا بالهراوة. تُحكم بإرادة الناس، لا بإرادة العسكر

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى