د. عدنان منصور يكتب: حروب «إسرائيل»: نهج وسلوك عدوانيّين لن يتوقفا!

لم تتوقف دولة الاحتلال الإسرائيلي يوماً، عن شهيتها في التوسع وشنّ الحروب منذ أن فرضت كيانها بالقوة في فلسطين عام 1948. حرب تتبعها حرب، كانت آخرها وليست الأخيرة، حربها المدمرة على غزة ولبنان، وبعدها عدوانها العسكري على سورية ومن ثم على إيران.
وزارة المالية الإسرائيلية قدّرت تكلفة الحرب على غزة، والعمليات العسكرية على لبنان وسورية، اعتباراً من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، بـ 68 مليار دولار. في عام 2024 ارتفع الإنفاق العسكري لـ “إسرائيل” ليصل إلى 34 مليار دولار، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في العجز المالي. علماً أنّ الرقم لا يشمل الخسائر البشرية، وتداعيات الهجرة القسرية، والتأثيرات الاجتماعية والبيئية بعيدة الأمد على الوضع الداخلي.
تشير التقارير الرسمية والدراسات المتخصصة ذات الصلة بالهجرة العكسية من “إسرائيل” إلى الخارج، إلى أنه في عام 2024 سجلت مغادرة 82800 إسرائيلي خارج الكيان مقابل 31100 مهاجر يهوديّ جديد الى “إسرائيل”. بين عامي 2020 و2024، غادر “إسرائيل” 145 ألف شخص ولم يعودوا إليها. عام 2023 بلغت نسبة العودة من الذين غادروا 24 ألف شخص فقط. بذلك أصبح صافي الهجرة سالباً للمرة الأولى منذ عقدين، أيّ أنّ عدد المغادرين من “إسرائيل” يفوق عدد المهاجرين إليها.
وهذا يأتي نتيجة لاستمرار سياسة الحروب التي انتهجتها دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ قيامها وحتى اليوم، ولا سيما حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023. تلك الحرب غرست في نفوس الإسرائيليين شعوراً محبطاً في انعدام الثقة، وفقدان الأمن، والأمان، والاستقرار، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة والسكن، ما دفع بفئات واسعة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة والعليا للتوجه إلى أماكن في الخارج بحثاً عن ظروف أفضل في أوروبا (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا وهولندا) وفي أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا).
وتزداد هذه الهجرة العكسية لأن نسبة كبيرة من الإسرائيليين يحملون الجنسية المزدوجة أو جوازات سفر أوروبية. الأمر الذي يسهّل انتقالهم واستقرارهم خارج الكيان.
الكثير من الإسرائيليين باتوا يشعرون اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، أنّ “إسرائيل” لم تعد “دولة أرض الميعاد” والملاذ الآمن. فقد تحكمت فيها السياسات المتطرفة، والخلافات والاحتجاجات الداخلية، وتصاعدت حدّة النزعة اليمينية العنصرية، الدينية، والقومية المتطرفة التي لا تروق لشرائح علمانية يهودية ترى نفسها خارج بيئتها الليبرالية.
وهذه الشرائح تحديداً من الشباب المتعلّمين، أصحاب الكفاءات العالية في مجالات الطب والمعرفة والتكنولوجيا والأبحاث والعلوم والهندسة. وتتراوح أعمارهم بين 25 و45 عاماً، ما يعني على المدى المتوسط أنّ عودة العائلات المغادرة غير واردة، بعد تأسيسها حياة مستقرة في الخارج.
هذا النزيف البشري يدلّ على أنّ هجرة العقول والكفاءات تشكل تحدياً كبيراً وخطراً استراتيجياً مباشراً على الاقتصاد والتطوّر التكنولوجي لـ “إسرائيل”. كما يغيّر معادلة التوازن الديموغرافي نتيجة انخفاض النمو السكاني اليهودي مقارنة بالنمو السكاني الفلسطيني.
بلغ عدد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر نهاية 2025 نحو 2 مليون و118 ألف فلسطيني. فيما بلغ عددهم في الضفة الغربية وقطاع غزة 5 ملايين و560 ألفاً، و362 ألفاً في القدس الشرقية.
ووفقاً لدائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، بلغ عدد سكان “إسرائيل” نهاية عام 2025 نحو 10 ملايين و94 ألف شخص. منهم 7 ملايين و94 ألف يهودي، بينما بلغ عدد الفلسطينيين المقيمين على أرض فلسطين التاريخية، عدا فلسطينيّي الخارج، 8 ملايين و39 ألفاً، أيّ بزيادة تقارب 300 ألف عن عدد اليهود.
هذا الواقع سيؤثر مستقبلاً على الهوية الإسرائيلية ونظرة اليهود في الداخل والخارج لـ “إسرائيل” كمكان غير آمن وغير مستقر. ما سيجعل “تسونامي” الهجرة اليهودية من “إسرائيل” يستمرّ ويتصاعد كلما جنح كيان الاحتلال أكثر نحو الحروب ولم يغيّر نهجه الاستيطاني وسلوكه العدواني.
لن توفر الحروب لـ “إسرائيل” الاستمرارية والبقاء، ولن تنعم بالأمن والاستقرار مهما تمادت في الاحتلال وفرضت الأمر الواقع بالقوة. فجوهر الصراع سيبقى قائماً، وإن أوقفه مؤقتاً متخاذلون، وعملاء، ومطبّعون ومأمورون.
ألم يقل رئيس الكنيست الإسرائيلي الأسبق أبراهام بورغ في كتابه “هزيمة هتلر” الصادر عام 2008 إن “إسرائيل” أصبحت المكان الأكثر خطورة على اليهود؟ مؤكداً أنّ كثيرين قد يرون نيويورك أكثر أمناً على المدى البعيد من الدولة اليهودية، رغم تسليحها النووي الهائل.
ويصف بورغ بوضوح حالة المجتمع الإسرائيلي المرتبط بالموت والحروب الدائمة. إذ يرى أنّ الحروب لم تعد استثناء، بل تحولت إلى قانون حياة، وأن العقلية القائمة على القوة كرّست عدم العدالة كنظام.
لجوء “إسرائيل” وإدمانها استخدام القوة وشنّ الحروب لن يتوقف طالما القرار والموقف العربي الموحد غائب. فبين مقاوم ومطبّع، وبين متمسك بالسيادة ومفرّط بها، تواصل “إسرائيل” عربدتها وتستفرد بالدول العربية واحدة تلو الأخرى.
وإن وفّرت “إسرائيل” دولة عربية ما مؤقتاً، فهذا لا يعني أنها ستنجو يوماً من مخالبها. فالرهان على التطبيع أو على نيات العدو “الطيبة” أو على حماية القوى الكبرى، لن يجدي نفعاً.
ما ينتظر العالم العربي هو مزيد من التقسيم والتفكيك وتقويض المؤسسات وتدمير القدرات والتحكم بالثروات. وإن استغرق ذلك وقتاً ليس بطويلاً.
وإذا كانت “إسرائيل” ماضية في حروبها وتهجيرها واحتلالها غير عابئة بالقانون الدولي، فالسؤال يبقى عن دور حماة الأوطان والسيادة في العالم العربي، وبخاصة في لبنان، لمواجهة هذا الخطر الدائم.
عالم عربي يخطّ بيده، وللأسف، سيرة خذلانه وانهياره وسقوطه الشديد…!







