مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: حين تُستهدف السنة.. فاعلم أن الإسلام هو المقصود

ردٌّ على خطاب حسام بدراوي ومنهج التشكيك المتصنّع

لم يكن التشكيك في السنة النبوية يومًا نقاشًا علميًا محايدًا، بل ظلّ– عبر التاريخ– المدخل الأخطر لمحاولة تفريغ الإسلام من مضمونه التشريعي والحضاري. وما عاد اليوم يُقال عن “تأخر تدوين الحديث” أو “بشرية السنة” ليس جديدًا، بل هو تكرار حرفي لأطروحات قديمة، يُعاد تسويقها بلغة حداثية، كما ظهر مؤخرًا في تصريحات حسام بدراوي، ورددتها أصوات عربية أخرى تتزيّن بلباس العقلانية.


القضية هنا لا تتعلق باسم بعينه، بل بخطابٍ كامل يُقدَّم على أنه تفكير نقدي، بينما يقوم في حقيقته على شعارات مختزلة، وقفزٍ متعمد على الحقائق التاريخية، وتجاهلٍ صارخ لمنهج علمي فريد لم تعرفه أي حضارة أخرى.
السنة النبوية في الإسلام ليست نصًا ثانويًا يمكن تجاوزه، بل هي البيان العملي للقرآن، والنموذج التطبيقي للوحي، والمرجعية التي بها تُفهم الأحكام وتُمارس العبادات. ولهذا لم يكن غريبًا أن تكون السنة هي الهدف الأول لكل مشروع يسعى إلى تحويل الإسلام إلى منظومة قيم عامة بلا تشريع ولا إلزام.


حين يردد بعضهم أن الأحاديث “كُتبت بعد مئتين أو ثلاثمائة سنة”، فإنهم يخلطون– عن جهل أو عن قصد– بين وجود السنة ونقلها، وبين مرحلة التدوين الجامع والتصنيف. فالسنة لم تبدأ مع صحيح البخاري، ولم تظهر فجأة بعد قرون، بل عاشت في الصدور قبل السطور، ومورست في الواقع قبل أن تُجمع في الكتب، وكانت مرجع الفتوى والقضاء والعبادة منذ الجيل الأول.
أما التدوين المتأخر نسبيًا، فلم يكن اختراعًا من العدم، بل تنظيمًا وتنقيحًا لما هو محفوظ ومتداول.

تجاهل هذا الفرق”علم الإسناد”هو مفتاح التضليل كله.
الأخطر في هذا الخطاب أنه يتجاهل عمدًا علم الإسناد، ذلك المنهج النقدي الدقيق الذي تتبع فيه المسلمون الرواة فردًا فردًا، وميّزوا بين الصحيح والضعيف، وأسقطوا آلاف الروايات ولم يقبلوها. هذا العلم وحده كفيل بإسقاط دعوى “الاختلاق المتأخر”، لكن غيابه المتكرر عن خطاب التشكيك ليس مصادفة، بل لأن ذكره ينسف الادعاء من جذوره.


وما يزيد الأمر وضوحًا هو الانتقائية الفاضحة في استخدام “العقل”. فالنصوص الدينية والفلسفية الأخرى تُقبل وتُدرَّس رغم كتابتها بعد قرون ودون أسانيد، بينما يُطلب من السنة ما لا يُطلب من أي تراث إنساني آخر. هذه ليست عقلانية، بل ازدواجية معيارية تُخفي موقفًا أيديولوجيًا.


النتيجة العملية لهذا الخطاب معروفة سلفًا: إسقاط السنة يعني تعطيل الصلاة عمليًا، وإلغاء الزكاة تفصيليًا، وتحويل القرآن إلى نصٍّ بلا تنزيل. أي إسلام بلا شريعة، وبلا أثر في الواقع. وهذا هو الهدف الحقيقي، وإن لم يُصرَّح به.


وهنا يتقاطع هذا الخطاب– شاء أصحابه أم أبوا– مع المنهج الصهيوني في الحرب على الإسلام: ضرب مصادر الإلزام، نزع القداسة عن النموذج النبوي، وتحويل الدين إلى تراث ثقافي قابل للتأويل اللامتناهي، منزوع القدرة على المقاومة والبناء.


ليست المشكلة في حسام بدراوي كشخص، بل في كونه مثالًا على نمطٍ كامل من الخطاب يُعاد إنتاجه عربيًا، ويؤدي وظيفة واحدة: تفريغ الإسلام من مضمونه من الداخل، باسم العقل والبحث.


ومن أراد نقد السنة نقدًا علميًا حقيقيًا، فليلتزم بقواعد التاريخ، وبالمنهج المقارن العادل، وبالأمانة المعرفية. أما ترديد الشعارات الجاهزة، فلن يصنع فكرًا، ولن يهدم وحيًا، لكنه يكشف بوضوح موقع صاحبه من معركة الوعي والهوية.

إن خطاب حسام بدراوي بل والحملة التي يقودها إبراهيم عيسى وأشكاله سخيفة جدا وهزيلة جدا نظرا لهزال أصحابها وضعفهم الفكري وهي في الحقيقة أقل أثرا بكثير من الأوائل الذين حملوا لواء التغريب أمثال سلامة موسى وفؤاد زكريا وأحمد لطفي السيد.. الخ
علينا أن نوقظ وعي الامه ضد من يغتصبون فكرها ووعيها وإرادتها ويبيعون مقدساتها ويقفون في صف عدوها ويعتقلون الدعاة ولا يمكنوها من النهوض.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى