
ارتبطت المتغيرات السياسية التي طرأت على الرؤى المصرية والتركية تجاه بعضهما البعض بالتطورات الإقليمية والدولية المتسارعة في الإقليم والتي ما تزال في تصاعد مستمر؛ تطورات أظهرت ضعفا عربيا كان متواريا وراء هيكل جامعي فارغ، إلا أن مصر وتركيا وبسبب ثقل وزنهما الاستراتيجي والخبرة السياسية والاستخباراتية المتراكمة منذ عقود أدركا حجم الخطر الزاحف نحوهما، فكان لزاما عليهما تجاوز الخلافات والتنسيق الأمني قبل السياسي في كثير من الملفات الساخنة، مع تجميد المختلف عليه وتحجيم تأثيره إلى حين.
رسمت عودة العلاقات المصرية التركية خطوطا عريضة ما جعل الدولتين في كفة واحدة تجاه ما يُحاك لهما من استدراج خارجي خبيث، واستطاعا عبر سنوات من التفاوض والاستكشاف تجاوز فخ توازن الضعف الاستراتيجي الذي عملت عليه أجهزة استخبارات دولية لتحول دون عودة العلاقات مرة أخرى، فحين تُحيّد دولتين كبيرين مثل مصر وتركيا في كثير من الملفات، فهذا يعنى إطالة أمد الصراع وتمزيق الممزق والنكايات المستمرة على الساحة الدولية، وترك أوراق اللعب في أيدي أطراف أخرى تحمل العداء لمصر وتركيا وعرقلة أى تحالف من شأنه أن يقضي على آمال إسرائيل التوسعية ويُقوض المشاريع الانفصالية في المنطقة.
تدافع الأحداث الذي طال المنطقة والتصعيد العسكري الغاشم الذي أثخن في غزة وحولها إلى مقبرة جماعية على يد الاحتلال دفع كل من البلدين إلى رفع سقف التعاون لحفظ أمنهما القومي وسد الفراغات التي قد ينفذ منها شرر الفتن المتطاير المحيط بالمنطقة، ثم جاء التهديد بضرب إيران ليعزز من التناغم الدبلوماسي بين البلدين الرافض لضرب إيران، وترسخ في يقينهما بحس الواقعية السياسية أن الفاعل الدولي الأكثر قوة لا يريد إلا المزيد من التبعية العمياء والخضوع لإرادة سياسية واحدة كجزء من استراتيجية تطويق الصين وإضعاف روسيا وحماية إسرائيل للحفاظ على النفوذ الأمريكي على حساب السيادة الوطنية للدول الإقليمية.
على مدار التاريخ كان يُنظر للأتراك على أنهم منافس استراتيجي خطير، يريد مزيد من الهيمنة في المنطقة على حساب الدول العربية حتى أن البعض قال: إن أى خسارة للعرب هى مكسب كبير للأتراك، خاصة بعد احتضان تركيا لكثير من المعارضين بعد إخفاق ثورات الربيع العربي، فاستثمر الأتراك تلك الورقة لإعادة تموضعهم على الخريطة ومن ثم إحراز مكاسب سياسية تعزز من تمدد النفوذ والضغط السياسي، إلا أن خلط الأوراق وثبات الأنظمة العتيقة في الإقليم وتوافر مقومات بقاءها، دفع الفاعل السياسي التركي للعودة إلى المربع الأول ببراجماتية سياسية ممزوجة بيأس، قدمت الصالح القومي على ما سواه، لتفتح مع مصر صفحة جديدة بحسب الهوامش المتاحة حينها، ومع تسارع الأحداث وطوفان الأقصى وسقوط النظام في سوريا ارتفع التنسيق إلى أعلى المستويات مع تكثيف تبادل الزيارات وارتفاع مستوى التبادل التجاري كعنوان لمرحلة جديدة في مواجهة مخاطر كبيرة محتملة وقائمة قد تضعف موقف الدولتين وتؤثر على مستقبلها السياسي.
أتاح اتساع دائرة الصراع المتزايد بين الفاعلين الدوليين وتوازن القوى بينهم مساحات واسعة للمناورة بالنسبة لمصر وتركيا كونهما من القوى الإقليمية المؤثرة والمؤهلة لممارسة الوسطية السياسية في ملفات شائكة، فكان تقارب البلدين أكثر والتنسيق المتزايد بينهما ثمرة هذا الصراع، ما خفف عنهما كثير من الضغوط والتلويح بالعقوبات والسير في ركاب سياسة قطب واحد يُملى بلا معارضة ويفرض تبنى سياسات بعينها، فموقع الدولتين الجغرافي جعلهما بوابة للحلول السياسية وأرضية خصبة للاستثمار والشراكات الاقتصادية، وتلك ميزة لا تتوفر لكثير من الدول ومن هنا جاء التوافق بين مصر وتركيا للتشابه الجيوسياسي الذي منح الدولتين مرونة سياسية في التعاطي مع القضايا الإقليمية وتقارب في وجهات النظر.
تركيا ومصر قوتين عُظميين ويتعاملان بند مبنى على احترام ومستمد من تشابه جيوسياسي وإرث تاريخي وخبرات خاصة، تُمثّل تركيا الجسر بين آسيا وأوروبا، مثلما تُمثّل مصر جسراً بين آسيا وإفريقيا، إضافة إلى التناظر القريب بين البلدين في حجم السكان والقوة العسكرية، كما أن مصر سيدة الحلول الوسطى وحجر الزاوية في المنطقة حتى وهى تعاني من سقم اقتصادي قد تتعافى منه قريبا، لذلك كل من يعول على عودة القطيعة مرة أخرى أو الصدام بينهما في شرق المتوسط أو سوريا أو فيما يتعلق بجماعة أو تيار فهو كمن يرمي سهامه في الفراغ، فلا عودة للوراء بل هناك تنسيق متزايد وإفساح الطريق لتعزيز التعاون وحمايته بسياج المصالح الاقتصادية والقضايا السياسية المشتركة.







