
تشابه في أنماط القمع والاعتقال التمييزي، لا في السياق التاريخي
لا تقوم المقارنات التاريخية الجادة على المساواة بين الوقائع أو الأزمنة، بل على تحليل أنماط القمع عندما تتحول السلطة الأمنية إلى أداة إقصاء جماعي وتجريد فئة بعينها من الحماية القانونية. من هذا المنظور، تفرض الوقائع في شمال شرق سوريا مقاربة مقلقة بين المعتقلات النازية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، وبين السجون التي أدارتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، من حيث المنهج والبنية التمييزية والانتهاكات، لا من حيث السياق أو النتائج التاريخية.
الاعتقال بوصفه سياسة لا إجراءً قضائيًا
في التجربة النازية، لم يكن الاحتجاز نتيجة مسار قضائي مستقل، بل سياسة دولة استهدفت اليهود بوصفهم مكوّنًا محددًا على أساس الهوية الدينية والعرقية. جرى الاعتقال دون لوائح اتهام فردية، ودون محاكمات، ودون حق الطعن أو الدفاع، في خرق كامل لمبدأ شخصية الجريمة. وقد تحولت معسكرات مثل Auschwitz إلى نموذج للاعتقال المؤسسي خارج أي إطار قانوني.
وبصورة مشابهة من حيث الآلية الإجرائية، شهدت مناطق شمال شرق سوريا نمطًا من الاعتقالات لم يستند إلى أوامر قضائية مستقلة أو إجراءات شفافة، بل استهدف بصورة أساسية العرب السنّة المعارضين لسياسات «قسد». لم يكن الاعتقال مرتبطًا بأفعال فردية مثبتة، بل تحوّل إلى سياسة ممنهجة، حيث يكفي الاشتباه أو الموقف السياسي لحرمان الفرد من حريته.
التهمة الجاهزة بدل الدليل
اعتمد النظام النازي على خطاب تصنيفي يشيطن جماعيًا ويجرّد الضحايا من إنسانيتهم، ما سهّل تبرير احتجازهم. وبالمثل، تحولت تهمة “الانتماء إلى تنظيم داعش” في سياق سجون «قسد» إلى تهمة نمطية جاهزة، تُستخدم لتبرير الاعتقال التعسفي دون تحقيقات مستقلة أو عرض على قضاء نزيه.
ويمثل ذلك انتهاكًا مباشرًا للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر الاعتقال التعسفي، إضافة إلى المادة 14 التي تكفل الحق في محاكمة عادلة وافتراض البراءة.
التمييز كجوهر للنظام الاعتقالي
ما يجعل هذه المقاربة أكثر خطورة هو أن تلك السجون لم تكن محايدة في استهدافها، بل موجّهة تمييزيًا ضد مكوّن اجتماعي واحد محدد. في التجربة النازية، كان التمييز قائمًا على الدين والعرق. وفي شمال شرق سوريا، جرى تصوير فئة اجتماعية كاملة باعتبارها “حاضنة محتملة للإرهاب”، ما مهّد لتطبيع الاعتقال الجماعي والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.
ويمثل هذا السلوك خرقًا صريحًا لمبدأ عدم التمييز المنصوص عليه في المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
من يملك القرار الفعلي؟
لا يمكن فهم هذه السياسات بمعزل عن بنية القرار السياسي والعسكري المسيطر على «قسد». إذ تشير تقارير دولية وبحثية إلى أن القرار الفعلي داخل «قسد» لا يُتخذ بصورة مستقلة، بل يخضع لتأثير وهيمنة كوادر مرتبطة تنظيميًا بـ حزب العمال الكردستاني (PKK)، سواء من حيث المرجعية الأيديولوجية أو التسلسل القيادي أو إدارة الملفين الأمني والعسكري.
ويُشار هنا إلى أن «البي كي كي» مُصنَّف منظمة إرهابية لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأن هذا التداخل البنيوي انعكس مباشرة على السياسات الأمنية المعتمدة في شمال شرق سوريا، بما في ذلك قرارات الاعتقال وإدارة السجون.
الأطفال خلف القضبان: لحظة الانكشاف الأخلاقي
تبلغ المقاربة ذروتها عند الحديث عن الأطفال داخل السجون. إن الصور التي ظهرت لوجود أطفال معتقلين في سجن الأقطان أعادت إلى الأذهان مشاهد الأطفال اليهود الذين احتُجزوا في المعتقلات النازية، لا لجرم ارتكبوه، بل بسبب انتمائهم.
وفق المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل، يُحظر احتجاز الأطفال تعسفيًا، ولا يجوز أن يكون الاحتجاز إلا كملاذ أخير ولأقصر مدة ممكنة.
كما تؤكد تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن احتجاز الأطفال في سياق النزاعات المسلحة قد يرقى إلى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وقد يشكّل شكلًا من أشكال التعذيب النفسي.
المسؤولية القانونية
من منظور القانون الدولي، تتحمّل قوات سوريا الديمقراطية المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات التي وقعت داخل السجون التي أدارتها فعليًا، بصفتها السلطة المسيطرة على الأرض. كما تمتد المسؤولية إلى القيادة الفعلية التي تملك سلطة التوجيه والسيطرة، وفق مبدأ مسؤولية القيادة والسيطرة المعترف به في القانون الدولي الجنائي.
أما التحالف الدولي، فتقوم مسؤوليته القانونية على أساس المشاركة أو التواطؤ، وفق قواعد المسؤولية عن المساعدة أو الإسهام في فعل غير مشروع دوليًا، كما ورد في مشروع مواد مسؤولية الدول الصادر عن لجنة القانون الدولي.
وعندما يكون الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري واسع النطاق أو ممنهجًا وموجّهًا ضد سكان مدنيين، فإنه قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي الختام، هذه المقاربة ليست تشبيهًا تاريخيًا، بل تحذير قانوني وأخلاقي من تكرار منهج عرفه العالم سابقًا:
اعتقال قائم على الهوية، تهم جاهزة، تمييز ممنهج، واحتجاز أطفال خارج أي حماية قانونية.
لقد تعهّد المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بألّا يسمح بتكرار هذه الأنماط، غير أن ما جرى في شمال شرق سوريا يضع هذا التعهّد اليوم أمام اختبار حقيقي.







